الشيطان فقيه الشر. فهو يعلم أن العبد إذا خلا بربه فى ظلمات الليل، وتملفه وتزلف إليه، وصف قدميه فى طاعته، وارتمى ساجدا على أعتابه فان الله تعالى لا يرده، بل يقبله ويرفعه درجات، ويقوى ايما نه، ويثبته على الصراط المستقيم. لذلك كله عمل الشيطان جاهدا على تثبيط الإنسان عن قيام
[ ٢٤ ]
الليل فهو يعقد على قافية الايسان عند النوم ثلاث عقد ويضرب على مكان عقدة: عليك نوم طويل فارقد فعن اأبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على مكان كل عقدة: عليك نوم طويل فارقد. فان استيقظ فاذكر الله انحلت عقدة، فان توضأ انحلت عقدة، فان صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان.» (١).قال النووي ﵀ واختلف العلماء فى هذه العقد فقيل هو عقد حقيقي بمعنى عقد السحر للإنسان ومنعه من القيام قال
_________________
(١) -رواه البخاري (٣/ ٢٤)، ومسلم (٦/ ٦٦نووى)
[ ٢٥ ]
تعالى: «ومن شر النفاثات فى العقد» فعلى هذا هو قول يؤثر فى تثبيط النائم كتأثير السحر. وقيل: يحتمل أن يكون فعلا يفعله كفعل النفاثات فى العقد. وقيل هو من عقد القلب وتصميمه، فكأنه يوسوس فى نفسه ويحدثه بان عليك ليلا طويلا فتأخر عن القيام. وقيل: هو مجازى كنى به تثبيط الشيطان عن قيان الليل. اه «١».قال الحافظ فى الفتح: وقوله «يضرب» أي بيده على العقد تأكيدا وإحكاما لها قائلا ذلك ا. هـ (٢)
_________________
(١) -شرح مسلم (٦/ ٦٥)
(٢) - فتح أبارى (٣/ ٢٧)
[ ٢٦ ]
وهذه الصفات الثلاث لا ينالها إلا الغافل الذى نام دون أن يذكر أو أن يقرأ أية الكرسي. فان قال قائل أن لفظ الحديث عام فى الغافل وغيرة، أقول: أن عموم هذا الحديث مخصص أبي هريرة عندما قال له الشيطان: إذا آويت إلى فراشك فقرأ أية الكرسي فانه لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وأقره النبي ﷺ بقوله «صدقك وهو كذوب» (١) والى هذا مال الحافظ ابن حجر فى الفتح فقال: يمكن أن يقال يختص بمن لم
_________________
(١) - رواه البخاري (٤/ ٤٨٧)، (٦/ ٣٣٥)، (٩/ ٥٥/فتح) معلقا تعليقا مجزوما به.
[ ٢٧ ]
يقرأ أية الكرسي لطرد الشيطان ا. هـ «١» قال النووي: «فاصبح نشيطا طيب النفس» معناه بسروره بما وفقه الله الكريم له من الطاعة ووعده من ثوابه، مع ما يبارك له فى نفسه وفى تصرفه وفى كل أموره، مع ما زال عنه من عقد الشيطان وتثبيطه. اه «٢».قال الحافظ والذي يظهر أن لصلاة الليل سرا فى طيب النفس وان لم يستحضر المصلى شيئا من ذلك. ا. هـ (٣).قلت: وهذا هو الحق ولا يشعر بذلك إلا من ذاق حلاوة قيام الليل وأ نس قرب الله فى هذه اللحظات الطيبة، فان ذلك يترك
_________________
(١) - فتح أبارى (٣/ ٢٧)
(٢) -- شرح مسلم (٦/ ٦٦)
(٣) - فتح أبارى (٣/ ٢٦)
[ ٢٨ ]
حلاوة فى القلب لو خير العبد بينها وبين ملك الدنيا لاختارها. قال النووي:
«إلا أصبح خبيث النفس كسلان» لما عليه من عقد الشيطان وأثار بتثبيطه واستيلائه. قال: وظاهر الحديث أن من لم يجمع الأمور الثلاثة: وهى الذكر والوضوء والصلاة فهو داخل فيمن يصبح خبيث النفس كسلان. اه «١»
وهدف الشيطان من هذا كله تثبيط العبد عن قيام الليل وضرب الكسل عليه حتى يتمكن من الاستيلاء عليه طوال يومه، وهذه من المكائد الخبيثة التى يكيد بها
_________________
(١) -شرح مسلم (٦/ ٦٧)
[ ٢٩ ]
الشيطان للإنسان. ولكن كيف تبطل هذه المكائد؟ بعدة أمور:
١ - الوضوء قبل النوم لما ثبت فى الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال البراء ابن عازب: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوئك للصلاة» (١).
٢ - أن توتر قبل النوم إذا خفت إلا تستيقظ إلا إذا كنت متعودا على القيام بالليل فهذا أفضل وأحسن وأجمل. قال ابن عمر ﵄: ما اصبح رجل على غير وتر إلا اصبح على رأسه
_________________
(١) -رواه البخاري (١/ ٣٥٧ فتح) ومسلم (١٧/ ٣٢ نووي)
[ ٣٠ ]
جرير قدر سبعين ذراعا (١) والجرير هو الحيل الذى يخطو به البعير فكأن الشيطان أمسك بزمامه فهو يوجهه حيث يشاء.
٣ - تجمع كفيك قبل النوم وتقرأ المعوذتين ثم تنفس فيها وتمسح بهما ما استطعت من جسدك بادئا برأسك وهذا ثابت فى صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂ مرفوعا (٢).
٤ - تقرأ الآيتين الأجرتين من سورة البقرة لما جاء فى الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) - فال الحافظ فى الفتح (٣/ ٢٥): رواه سعيد بن منصور بسند جيد.
(٢) - البخاري (١١/ ١٢٥فتح)
[ ٣١ ]
الآيتان من أخر سورة البقرة من قرأهما فى ليلة كفتاه» (١)
قال النووي: قيل معناه كفتاه من قيام الليل وقيل: من الشيطان وقيل: من الآفات ويحتمل الجميع اهـ (٢).قال ابن القيم ﵀: الصحيح كفتاه شر ما يؤذيه (٣)
٥ - تقرأ سورة من كتاب الله، لما رواه أحمد والترمذى عن شداد بن اوس ﵁ مرفوعا «ما من امرئ مسلم يأخذ مضجعه فيقرأ سورة من كتاب الله إلا بعث الله ملكا يحفظه من كل شئ يؤذيه
_________________
(١) - البخاري (٧/ ٣١٨فتح) مسلم (٢/ ٩٢نووى)
(٢) -شرح مسلم
(٣) - الوابل الصيب (٩١)
[ ٣٢ ]
حتى يهب» (١).
٦ - تقرأ أية الكرسي بتدبر وتفهم، فهي تحفظك من الشيطان حتى تصبح كما مر آنفا.
٧ - تسبح ثلاثا وثلاثين، وتحمد ثلاثا وثلاثين، وتكبر أربعا وثلاثين عند النوم، وهذا ثابت فى الصحيحين من حديث
على بن أبى طالب (٢)
٨ - تنام على جنبك الأيمن وتضع يدك اليمنى تحت خدك الأيمن وتقول: «باسمك ربى وضعت جنبى، وبك أرفعه، أن أمسكت نفسي فارحمها، وان
_________________
(١) - رواه الترمذى (٥/ ١٤٢) وأحمد وحسنه الحافظ فى تخريج الأذكار.
(٢) - رواه البخاري (١١/ ١١٩فتح) ومسلم (٧/ ٤٦نووى)
[ ٣٣ ]
أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) ٩) (١)
٩ - ثم تقول «بسم الله وضعت جنبى، اللهم أغفر لى ذنبى، وأخسئ شيطاني، وفك رهاني، واجعلني فى الندى الأعلى» (٢).
١٠ - ثم تذكر الله حتى يغلبك النوم، فعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أوى الإنسان إلى فراشه ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: اختم بخير، ويقول الشيطان: اختم بشر، فإذا ذكر الله حتى يغلبه
_________________
(١) رواه البخاري (١١/ ١٢٦فتح) ومسلم (١٧/ ٣٧نووى)
(٢) قال النووي فى الأذكار (٧٧): رواه أبو داوود بإسناد حسن
[ ٣٤ ]
- يعنى النوم - طرد الملك الشيطان وبات يكلؤه - أي يحرسه - فإذا استيقظ ابتدره ملك وشيطان، فيقول الملك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افتح بشر، فان قال: الحمد لله الذى أحيا نفسي بعد موتها، ولم يمتها فى منامها، الحمد لله الذى يمسك التى قضى عليها الموت يرسل الأخرى إلى اجل مسمى، الحمد لله الذى السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا ما أمسكهما من أحد من بعده، الحمد لله الذى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، طرد الملك الشيطان وظل يكلؤه» (١).
_________________
(١) رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
[ ٣٥ ]