بعد أن عظمت ربك، ارفع رأسك راجيًا رحمة الغفور الرحيم، وحامدًا له أنه استمع مناجاتك وتعظيمك له في ركوعك، ترفع رأسك عائدًا إلى ما كنت عليه، واجعل شعار هذا الركن حمد الله والثناء عليه وتحميده، فافتتح هذا الشعار بقولك:
(١) سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، وافهم المعنى: أن الله - ﷾ - يسمع الذي يحمده؛ فزد في التحميد.
ممتثلًا أمر رسول الله - ﷺ -: "إِذَا قَالَ الإمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: رَبَّنا لَكَ الْحَمْدُ؛ يَسْمَعْ الله - ﷾ - لَكُمْ، فَإِنَّ الله - ﷾ - قَال عَلَى لِسَانِ نَبيَّهِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" (صحيح مسلم: ٤٠٤)، فتحمد الله الذي أوقفك بين يديه، وسمع لك فتقول:
(٢) رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا قَال الإمَامُ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ؛ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاِئكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (صحيح البخاري: ٧٦٣).
[ ٩٨ ]
تقول: ربنا ولك الحمد، ويوافق قولك قول الملائكة، فيغفر الله لك ما تقدم من ذنبك!! إنه كريم
سبحانه أكرم الأكرمين وأجود الأجودين .. الحمد لله رب العالمين ..
واستمر في التحميد؛ فإن النعم متكاثرة، والآلاء متواترة، وما أطيب الحمد من قلب يستشعر فضل الله ورحمته، هيا قل:
(٣) رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حمْدًا طَيَّبًا مُبارَكًا فِيهِ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأرْضِ، وَمِلْءَ ما بَيْنَهُما، وَمِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّناءِ والمَجْدِ، أحَقُّ ما قَالَ العَبْدُ، وكلنا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الجَدّ مِنْكَ الجَدُّ (صحيح مسلم: ٤٧٧).
لا ينفع ذا الجد منك الجد أي: لا ينفع ذا الغنى منه غناه إنما تنفعه طاعتك والعمل بما يقربه منك سبحانك وبحمدك.
(٤) الْحَمْدُ لله حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبَا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكَا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى.
ثم استحضر في ذهنك كُلَّ نعمة أنعم الله عليك بها وقل:
(٥) لِرَبَّيَ الْحَمْدُ، لِرَبِّيَ الْحَمْدُ (صحيح، سنن النسائي: ١٠٦٩).
فإذا قلت على كل نعمة: لِرَبِّيَ الْحَمْدُ فلن يكف لسانك عن الحمد أبدًا.
[ ٩٩ ]
وأكثر من حمد ربك، وتذكر نعمه الكثيرة عليك، نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وما منحت من العطاء بلا تعن، وأبشر: عَنْ رِفَاعَةَ بْن رَافِع - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلَّي وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَلَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ وَقَالَ: "سَمِعَ الله لِمَن حَمِدَهُ" قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرَا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ الله - ﷺ - قَالَ: "مَنْ الْمُتَكَلَّمُ آنِفًا؟ " فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةَ وَثَلاِثينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهُنَّ أَوَّلُ" (صحيح البخاري: ٧٦٦)، فيالسعادة قلبك إن استشعرت الملائكة وهي تتسابق، وتتسارع؛ لتكتب قولك وترفعه إلى ربك!! ألا تقول فترفع!! واهًا لك!!
واعلم أن القنوت بعد الركوع في الوتر سنة، وهو مستحب بعد الركوع، وهو أن تدعو الله بالأدعية المأثورة بعد الرفع من الركوع في الركعة الأخيرة من الوتر إن كنت قد صليته ثلاث ركعات، أو بعد الرفع من الركوع في ركعة الوتر إن كنت قد صليته ركعة واحد، ترفع يديك وتبتهل:
(٦) اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ (صحيح، سنن أبي داود: ١٤٢٥).
[ ١٠٠ ]
(٧) اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، وَنُؤمِنُ بِكَ وَنَخْلَعُ مَنْ يَفْجُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُد، ولَكَ نُصَلَّي وَنَسْجُد، وَإلَيْكَ نَسْعَى وَنحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفَّارِ مُلْحِقٌ، اللَّهُمَّ عَذّبِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وُيكَذِّبُونَ رُسُلَكَ وُيقاتِلُونَ أوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ للْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِناتِ، والمُسْلِمِيَنَ والمُسْلِماتِ، وأصْلِح ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وألَّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِم الإِيمَانَ وَالحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ على مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَأَوْزِعْهُمْ أنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الذي عاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ على عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الحَقّ، وَاجْعَلْنا مِنْهُمْ.
(أخرجه البيهقي: ٢/ ٢١١، وهو صحيح موقوفًا على عمر - ﵁ -)