لما كان الذكر حياة قلوب المؤمنين وقوت أرواحهم وأنس حياتهم؛ كان لا بد لهم من خلوة خاصة للذكر، تكون كل فترة ثابتة خاصة بمثابة وجبة دسمة تكون عونًا لهم على ما هم فيه من متاعب الدنيا وهمومها، فكانت أذكار طرفي النهار.
وأذكار الصباح والمساء لها أهمية خاصة بالنسبة للمؤمنين المخلصين؛ فإن الوارد عن رسول الله - ﷺ - فيها شافٍ كافٍ .. جامعٍ وافٍ .. رائقٍ صافٍ ..
فإن أردت صلاحًا وفلاحًا ونجاحًا؛ فاجعل لنفسك هذا الوقت الخاص في خلوة رائقة وحدك بعيدًا عن المشاغل، وأصلح قلبك لترديد هذه الأذكار. فإنك إن تفرغت لها ملأت قلبك، وإذا أدمنتها فإنك لن تستغني عنها، وسأحاول جاهدًا ترتيبها لك ترتيبًا له أهمية؛ فاحرص عليها ولا تترك منها شيئًا.
وقد آثرت أن أترك نص الحديث أحيانًا تستخلص منه أنت الذكر، ويدفعك ذكر الأجر للاحتساب؛ لتحصيل الأجر، فإن بعض الناس يمسك الكتاب ويسرد الأذكار مجرد سرد باللسان، فاقرأ الحديث، واحتسب الأجر، واستخلص الذكر، واستحضر القلب تحظ بالعز.
[ ١٢٦ ]
والأصلُ في هذا الباب من القرآن العزيز قولُ الله - ﷿ -: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]، وقوله - ﷿ -: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥].
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لأَنّ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ - ﷿ - مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمعِيلَ، وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمِ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ صَلاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً" (حسن، سنن الترمذي: ٣٦٦٧).
واعلم - أيها الحبيب المحب - أن هذا البابَ واسعٌ جدًا ليس في الكتاب بابٌ أوسعَ منه سنذكرُ إن شاء الله - ﷿ - فيه جملًا من مختصراته فمن وُفِّق للعمل بكلّها فهي نعمة وفضل من الله - ﷿ - عليه وطوبى له.
(١) إذا أصبحت قل: اللَّهُمَّ بِكَ أصْبَحْنا وَبِكَ أمْسَيْنا، وَبِكَ نَحْيا وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ، وإذا أمسيت قل: اللَّهُمَّ بِكَ أمْسَيْنا وبِكَ أصْبَحْنا وَبِكَ نَحْيا وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النُّشُورُ.
(صحيح، سنن أبي داود: ٥٠٦٨)
أو: اللَّهُمَّ بِكَ أمْسَيْنا وبِكَ أصْبَحْنا، وَبِكَ نَحْيا وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ المَصِيرُ" (صحيح، الأدب المفرد: ١١٩٩).
[ ١٢٧ ]
(٢) أصْبَحْنَا على فِطْرَةَ الإسْلامِ، وكَلِمَةِ الإخْلاصِ، وَدِيْنِ نبينا مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وَمِلَّةِ أبِينَا إِبْرَاهِيمَ - ﵇ - حَنِيفًا مُسْلِمًا، ومَا أَناَ مِنَ المُشْرِكِينَ" (صحيح، مسند الإِمام أحمد: ٣/ ٤٠٦).
(٣) لا إلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (عشر مرات)، قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ قالَ إِذَا أصْبَحَ: لا إلهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ،
لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلّ شَيءٍ قَدِيرٌ؛ كانَ لَهُ عِدْلُ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ - ﵇ -، وكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ، وكانَ في حِرْزِ مِنَ الشَّيْطانِ حتى يُمْسِيَ، وَإنْ قَالَهَا إِما أمْسَى؛ كانَ له مِثْلُ ذلكَ حتَّى يُصْبحَ".
(صحيح، سنن أبي داود: ٥٠٧٧)
بعد كل هذه الوعود بالله عليك ..
أليس من يتركها قد خسر خيرا كثيرا؟!
ثم أتريد أن يرضى عنك ربك، ويعطيك حتى يرضيك؟
(٤) قال رسول الله - ﷺ -: "مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِم يَقُولُ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ: رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِالإسْلامِ دِينَا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًا؛ إِلا كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَاَمَةِ".
(صحيح، مسند الإِمام أحمد: ٤/ ٣٣٧)
[ ١٢٨ ]
لن يرضى عنك فقط، بل سيرضيك، إن رضيت به وبنبيه وبدينه حق الرضا، وتكرار ذلك وملازمته يدفع القلب لاعتقاده، ويحمل النفس على الرضا به.
(٥) إذا أصبحت قل: اللَّهُمَّ إني أسالُكَ عِلْمًا نافعًا، وَرِزْقَا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَلًا.
وسط مكائد البشر .. ومصائد الشيطان .. تحتاج أن تستغيث بالرحمن، هيا فقل:
(٦) قال رسول الله - ﷺ - لفاطمة - ﵁ -: "ما يَمْنَعُكِ أنّ تَسْمَعِي ما أُوصِيكِ بِهِ؟ تَقُولِينَ إذَا أصْبَحْتِ وَإذَا أمْسَيْتِ: يا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِكَ أسْتَغِيثُ؛ فأصْلِحْ لي شأني كُلَّهُ وَلاَ تَكِلْني إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنِ" (رواه الحاكم، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: ٥٨٢٠).
تلك وصية رسول الله - ﷺ - لابنته فاطمة - ﵁ -، وهي أحب الناس إليه، وهو أخلصهم لها، وأحرصهم عليها، هلا حرصت عليها؟
ثمّ نصيحة قبل أن تموت، فإنك إذا مت عليها فأنت من أهل الجنة:
(٧) عَنْ النَّبِيَّ - ﷺ - قال: "سَيدُ الاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أنْتَ ربِّي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأنا عَبْدُكَ، وَأَنا عَلَى
[ ١٢٩ ]
عَهْدِكَ وَوَعْمِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أبْوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِى، فَإِنَّهُ لا يَغفِرُ الذُنُوبَ إِلا أَنْتَ، قَالَ: وَمَنْ قَالَهَا مِنْ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ؛ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنْ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنّ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أن يُصْبحَ؛ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ
الْجَنّةِ" (صحيح البخاري: ٥٩٦٤).
وهذا الدعاء حقيقٌ بأن يكون سيِّدًا؛ فإنه يشمل: ثناؤك على الله - ﷿ - أنه ربك وخالقك.
تجديد العهد بينك وبين ربك.
اعترافك بنعم الله عليك، واعترافك بذنوبك.
وسؤالك المغفرة من الله - ﷿ -.
فإذا قلت هذا الذكر العظيم، استحضر هذه المعاني في قلبك حتى تقوله وأنت موقن به، فتموت؛ فتدخل الجنة.
(٨) اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ وَالشهَادَةِ، رَبَّ كُلّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أشْهَدُ أن لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ، أعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي، وَشَرِّ الشَّيْطانِ وَشِرْكِهِ.
(صحيح، سنن أبي داود: ٥٠٦٧)
[ ١٣٠ ]
سل الله خير يومك، وخير ليلتك، وخير ما بعدهما:
(٩) إذا أمسيت قل: أمْسَيْنا وأمْسَى المُلْكُ للِّهِ والحَمْدُ للِّهِ، لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلَّ شَيْءٍ قَديرٌ، رَبّ أسألُكَ خَيْرَ ما في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَخَيْرَ مَا بَعْدَها، وأعُوذ بِكَ مِنْ شَرّ ما في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَشَرّ مَا بَعْدَهَا، رَبّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَسَل وَالهَرَم وَسُوءِ الكِبَرِ، أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَاب في النَّارِ، وَعَذَاب في القَبْرِ، وإذَا أصْبَحْتَ قلَ ذلكَ أيْضًَا: أًصْبَحْنا وأصْبَحَ المُلْكُ للِّهِ (صحيح مسلم: ٢٧٢٣).
هل أديت شكر نعم الله عليك؟
(١٠) قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبحُ: اللَّهُمَّ ما أصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أو بأحد من خلقك فمِنْكَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَكَ الحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ؛ فَقَدْ أدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ
قَالَ مِثْلَ ذلكَ حِينَ يُمْسِي؛ فَقَد لدَّى شُكْرَ لَيلَتِهِ.
(صحيح، سنن أبي داود: ٥٠٧٣)
والله لو أن لسانك لم يكف عن الحمد ليل نهار لما أديت شكر نعم الله عليك، ومن كرم الله عليك أن دلَّك على ما تشكره وتحمده به، وبهذا الذكر صباحًا تكون قد أديت شكر يومك، ومساءً تكون قد أديت شكر ليلتك، ثم كأنك تشكر الله نيابة عن نفسك، وعن كل خلقه الذين يقصرون في شكر
نعمته - ﷿ -، فتشكره على تعمه عليك وعليهم.
[ ١٣١ ]
أخي الحبيب .. سل الله العافية ..
(١١) لم يكن النبيُّ - ﷺ - يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يُمسي وحين يُصبح: "اللَّهُمَّ إني أسالُكَ العافِيَةَ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إني أسالُكَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ في دِيني وَدُنْيَايَ، وأهْلِي ومَالِي،
اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وآمِنْ رَوْعاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظني مِنْ بَيْن يَدَيَّ ومِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمالِى، وَمِنْ فَوْقِي، وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغتالَ مِنْ تَحْتِي" (صحيح، سنن أبي داود: ٥٠٧٤).
كل صباح ومساء إن خفت سلب العافية؛ فجحِّد دعواتك هذه، وكل صباح ومساء تسأل الله أن يحفظك فأنت لا تأمن ما بين يديك ولا ما خلفك ولا حتى الأرض التي تحتك أن تُخسَف بك، ولا تشعر بالأمان إلا بفضل الله وعافيته .. لا تخف يا مؤمن؛ فأنت في أمان مادام الله يحفظك ويدفع
عنك، وقد علمك النبي كيف تستجلب حفظ الله - ﷿ - وأمانه:
(١٢) قال رسول الله - ﷺ -: "مَا مِنْ عَبْدِ يَقُولُ في صَبحٍ كُلّ يَوْم وَمَساءِ كُلّ لَيْلَةٍ: باسْمِ اللهِ الَّذي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ في الأرضِ وَلا في السَّماءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيم ثَلاثَ مَرُّاتٍ؛ لَمْ يَضُرَّه شَيْءٌ" وفي رواية: "لَم تُصِبْهُ فَجْأةُ بَلاءٍ".
(صحيح، سنن أبي داود: ٥٠٨٨)
[ ١٣٢ ]
اذكر ربك؛ يكفك كل ما تخاف وتحذر، ويحمك مما يضرك، ويمنع عنك الأذى والبلاء؛ إنه كريم قريب، وإن كنت مازلت تخاف فاسمع إذَا:
(١٣) جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول لله، ما لقيتُ عقرب لدغتني البارحة؟ قال: "أما لَوْ قُلْتَ حِينَ أمْسَيتَ: أعُوذُ بكَلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرّ ما خَلَقَ لَمْ تَضرَّكَ"
وقال: "مَنْ قال: أعُوذُ بِكَلِماتِ اللهِ التَّامَّاتِ من شَرّ ما خَلَقَ ئَلاثًا لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ" (صحيح مسلم: ٢٠٨١).
ومن أعظم الأذكار ذات الوزن الثقيل ما ورد في هذا الحديث الجليل الجميل:
(١٤) عن جُويريةَ أمّ المؤمنين - ﵁ - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ مِنْ بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ في مَسْجِدِهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: "مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيَّ - ﷺ -: "لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كلماتٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَو وزِنَتْ بِما قُلْتِ مُنْذُ اليَوْم لَوَزنَتُهُنَّ: سُبحانَ اللهِ وبِحمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِماتِهِ" (صحيح مسلم: ٢٧٢٦).
أصح كلمات تعدل ذكر أربع ساعات!! ومازلت لا تذكر!! ما أقسى قلبك إن لم تفعل!
[ ١٣٣ ]
سل الله العافية في ثلاث، وتعوذ به من ثلاث، واستن بسنة نبيك - ﷺ -:
(١٥) عن عبد الرحمن بن أبي بكرة - ﵁ - أنه قال لأبيه: يَا أبَتِ إِنِّي أسْمَعُكَ تَدْعُو كُلَّ غَدَاةٍ: اللَّهُمَّ عَافِنِي في بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي في سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي في بَصَرِي لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، اللَّهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، تُعِيدُهَا ثَلاثًا حِينَ تُصْبحُ، وَثَلاثًا حِينَ تُمْسِي، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَدْعُو بِهِنَّ فَأَنَا أحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ (حسن، سنن أبي داود: ٥٠٩٠).
الله .. يكفيك كُلِّ شيء!!
(١٦) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خُبَيْبٍ - ﵁ - قَالَ: خَرَجْنَا في لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ليُصَلِّيَ لَنَا فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقَالَ: "أَصَلَّيتُمْ؟ " فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ: "قُلْ" فَلَمْ أَقُلّ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: "قُلْ" فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: "قُلْ" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَقُولُ؟ قَالَ: "قُلْ: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوْذَتَينِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ؛ تَكْفِيكَ مِنْ كُلّ شَيْءٍ" (حسن، سنن أبي داود: ٥٠٨٢).
[ ١٣٤ ]
اقرأهما يكفك الله رزقك، يكفك سعيك، يكفك خوفك، يكفك وحشتك، يكفك مذاكرتك، يكفك كل ما صعب عليك سبحان الله تعالي.
ماذا يهمك؟ أتهمك الدنيا؟ أتهمك الآخرة؟ فاسمع إذًا:
حين تتوكل على الله - ﷿ -، وتفوض إليه كل أمورك، أمور الدنيا من رزق وسعي وجهد وبلاء وكدٍّ، وأمور الآخرة من طلب وعبادة وسؤال وخوف ورجاء، يحمل همك ويكفك كل شيء، فكيف تضيع وكفيلك الملك؟
(١٧) قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ من الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ، وَقَهْرِ الرِّجَالِ.
دخلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ، فَقًَا: "يَاَ أَبا أمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا في الْمَسْجدِ في غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاةِ؟ " قَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي
وَدُيُون يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "أَفَلا أُعَلَّمُكَ كَلامًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللهُ ﷿ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ " قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ
[ ١٣٥ ]
الرِّجَالِ" قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ؛ فَأَذهَبَ الله ﷿ هَمَّي وَقَضَى عَني دَيْنِي" (صحيح، سنن أبي داود: ١٥٥٥).
كم ستنقذ من النار؟ ربعك .. أم نصفك .. أم كلك؟!
(١٨) عن أنس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ قالَ حينَ يُصْبحُ أو يُمْسِي: اللَّهُمَّ إِنِّي أصْبَحْتُ أُشْهِدَكَ، وأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلاِئكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، أنَّكَ أنتَ لا إِلهَ إِلاَّ أنْتَ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ؛ أعْتَقَ الله رُبُعَهُ مِنَ النَّارِ، فَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَين؛ أعْتَقَ الله نصْفَهُ مِنَ النَّار، وَمَنْ قَالَها ثَلاَثًا؛ أَعْتَقَ الله ثَلاَثةَ أَرْبَاعِهِ، فإنْ قالَهَا أَرْبَعًا؛ أعْتَقَه الله مِنَ النَّارِ".
(صحيح، سنن أبي داود: ٥٠٦٩)
كأنك تصرخ بالشهادة تريد أن يسمعها كل من في الأرض والسماء، الإنس والجن والملائكة، تفتخر أن ربك الله سبحان الله تعالي وأن نبيك محمَّد - ﷺ -، فيجازيك الله على شهادتك بأن يعتقك من النار.
هل تريد أن تتصدق؟ تريد أن تعتق رقبة في سبيل الله؟
خذ تلك الهدية:
(١٩) قال النبيّ - ﷺ -: "من قال لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتِ؛ كانَ كَمَنْ أعْتَقَ أرْبَعَةَ أنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ".
(صحيح مسلم: ٢٦٩٣)
[ ١٣٦ ]
ليس عتق أي رقبة، بل هي من ولد إسماعيل - ﵇ -، أخيَّ .. اذكر الله، ولا تغفل أبدًا عن ذكره.
لديك همة؟ تردد أن تعتق أكثر؟ تردد حسنات أكثر؟ هلم إذًا:
(٢٠) عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ قَالَ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلى كُلّ شَيءٍ قَدِيرٌ في يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ؛ كانَتْ لَهُ عِدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكُتِبَتْ لَهُ مائة حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عَنْهُ مائةُ سَيئَةٍ، وكانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ يَومَهُ ذلكَ حتَّى يُمْسيَ، ولَمْ يَأتِ أحَدٌ بأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْهُ" (صحيح البخاري: ٣١١٩).
انتظر .. مهلًا .. مهلًا، إلى أين أنت ذاهب؟!
هل ستدع هذا الذكر يمر هكذا؟! تدبر معي:
إن قول لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ في اليَوْمِ مائَةَ مَرَّةٍ يستغرق من وقتك عشر دقائق، عشر دقائق فقط تحصل كل هذه الأجور: عِدْلَ عَشْرِ رِقابٍ (أي بما يعادل ملايين الجنيهات).
وكُتِبَتْ لَهُ مائة حَسَنَةٍ (وأنت تحتاج إلى حسنة واحدة).
ومُحِيَتْ عَنْهُ مائةُ سَيِّئَهٍ (وما أكثر سيئاتك!!).
[ ١٣٧ ]
وكانَتْ لَهُ حِرْزَا مِنَ الشَّيْطانِ يَوْمَهُ ذلكَ حتَّى يُمْسيَ (فلا يوسوس لك، ولا يصدك عن ذكر الله، فرصة .. تخلص منه).
ولَمْ يَأتِ أحَدٌ بأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بِهِ إِلاَّ رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْهُ (أنت أحسن الناس).
ثم كالعادة ما أكثرها ذنوبك!! هل تريد التخلص منها؟
تعال أدلك على السبيل:
(٢١) قال النبيّ - ﷺ -: "مَن قالَ سُبْحانَ اللهِ وبحَمْدِهِ في اليَوْمِ مِئَة مَرَّةٍ؛ حُطَّتْ خَطَاياهُ وإنْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الَبَحْرِ".
(صحيح البخاري: ٦٠٤٢)
سبحان الله وبحمده!! الله أكبر!! كل خطاياك؟؟!! كذبة هنا، ونظرة هناك .. غيبة هنا، وظلم هناك، كل هذا يغفر بقولك سبحان الله وبحمده مائة مرة، وهو لن يأخذ من وقتك أكثر من خمس دقائق، خمس دقائق ثم مغفرة خطايا العمر، تمحى الخطايا ويطهرها التسبيح.
انتظر .. هناك فضل آخر لهذا الذكر: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةِ؛ لَمْ يأتِ أحدٌ يَوْمَ القِيامَةِ بأفْضَلَ مِمَّا جاءَ بهِ إِلا أحَدٌ قالَ مثْلَ ما قالَ أو زَادَ عَلَيْهِ" وفي رواية "سُبْحانَ الله العَظيمِ وبِحَمْدِهِ" "صحيح مسلم: ٢٦٩٢).
[ ١٣٨ ]
فهل تريد أن تكون من أحسن الناس يوم القيامة؟
هلم، شمر إلى الحسنات العظيمة بالأعماد القليلة، قل:
(٢٢) سبحان الله (مائة مرة).
قال رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: "أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ " فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: "يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ؛ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ
حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ ألفُ خَطِيئَةٍ" (صحيح مسلم:٢٦٩٨).
والله إنها لا تستغرق خمس دقائق، بل قد لا تزيد عن ثلاثة دقائق، أرأيت كم هو ثمين عمرك أيها المسلم الحبيب؟! ثلاث دقائق فقط تساوي ألف حسنة، أو مغفرة ألف ذنب، اغتنم وقتك ولا تضيع فيه لحظة دون ذكر الله.
(٢٣) الْحَمْدُ للهِ مِائَةَ مَرَّةٍ.
(٢٤) اللهُ أَكْبَرُ مِائَةَ مَرَّةٍ.
أَلا أُعْطِيكَ؟! .. أَلا أَمْنَحُكَ؟! .. أَلا أَحْبُوكَ؟! ..
عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِنَّ اللهَ - ﷿ - اصْطَفَى مِنْ الْكَلام أَرْبَعًا: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَهِ، وَلا إِلَهَ إِلا الله، وَاللهُ أَكْبَرُ، قَالَ: وَمَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ؛ كُتِبَتْ لَهُ بِهَا عِشْرُونَ حَسَنَة، وَحُطَّ عَنْهُ عِشْرُونَ سَيِّئَةَ، وَمَنْ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ فَمِثْلُ ذَلِكَ،
[ ١٣٩ ]
وَمَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا الله فَمِثْلُ فَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَب الْعَالَمِينَ مِنْ قِبَلٍ نَفْسِهِ؛ كُتِبَ لَهُ بِهَا ثَلاثُونَ حَسَنَةً، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا ثَلاُثُونَ سَيِّئَة" (صحيح، مسند الإِمام أحمد: ٢/ ٣١٠).
أتريد أن نحسبها بحسابات الدنيا؟! أم بحسابات الكريم الذي يضاعف إلى سبعمائة ضعف وإلى أكثر من لك لمن يشاء؟! في الحالتين أنت رابح: إذا قلت: سُبحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لله وَلا إِلَهَ إِلا الله وَاللهُ أَكبَرُ، كم أخذ من وقتك؟
ليس أكثر من أربع ثوان!!
دفعت من وقتك الغالي الثمين لله أربع ثوانِ، خذ أجرك: يكتب لك: عشرون حسنة X ٣= ستين حسنة ستون حسنة + ثلاثون حسنة للحمد لله - تسعين حسنة.
ويغفر لك: عشرون سيئة X ٣+ ٣٠ - تسعين سيئة ..
ما أحوجك إلى حسنة من هؤلاء!! وما أكثر ذنوبك! وكم أنت محتاجٌ إلى مغفرة واحد منها!! في أربع ثوان تحصل تسعين حسنة ومغفرة تسعين سيئة!! والله يضاعف لمن يشاء، وأنت غافل ساهٍ لاهٍ .. اذكر الله ..
(٢٥) قال رسول الله - ﷺ -: "مَن صَلَّى عَلَيَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشرًا، وَحِينَ يُمْسِي عَشْرَا؛ أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَةِ".
(حسن، صحيح الجامع: ٦٣٥٧)
[ ١٤٠ ]