أيها الحبيب المحب .. يا ابن الإِسلام ..
ها أنت قد جئت لتقف بين يدي الملك العزيز الجبار، فهل استعددت لذلك؟
لطفًا .. رويدك .. رويدك ..
الصلاة صلة بين العبد وربه، قال رسول الله - ﷺ -: "إِن اللهَ - ﷾ - يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْلِهِ مَا لَمْ يَلتَفِتْ؛ فَإِذا صَلَّيتُمْ فَلا تلفِتُوا" (صحيح، سنن الترمذي: ٢٨٦٣) وقال الله - ﷿ - في الحديث القدسي: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبَينَ عَبْدِي نِصْفَينِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: قلت:
(صحيح مسلم: ٣٩٥)
فالصلاة كما رأيت في هذا الحديث مناجاة .. وسبيل وصول من العبد إلى ربه، ولأن العبادة توقيفية، بمعنى أننا نعبد الله كما يريد لا كما نريد، فإننا نحتاج أن نتعلم كيف كان النبي - ﷺ - يصلي، وماذا كان يقول.
[ ٨٣ ]
وبعض الناس في هذا الزمان يدخل في الصلاة وهو لا يدري ما يقول فيها، وكأنه يذكرني بقول ذاك المخذول في قبره حين يُسْألُ: من ربك؟ فجيب: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، وهكذا كثير من الناس يصلي كما يصلي الناس ويقول كما يقول الناس بغير وعي أو فهم أو تدبر أو نية، ولذلك يخرج من الصلاة كما دخل بلا أجر ولا أثر.
لذلك أقول لك: يجب عليك أن تتعلم أذكار الصلاة الواجبة، فهذا من فروض الأعيان؛ لأن بعض الناس يؤدونها حركات تقليدية لا روح فيها، ومن ثم لا تؤتي الصلاة ثمارها، فهم يصلون كما يصلي الناس، وانصبَّ جلُّ اهتمامهم على تعلم هيئات وكيفيات الصلاة إن تعلموا!! ولذا سأذكر لك كل
أنواع الأذكار التي وردت في كل ركن من أركان الصلاة، تعمدت ذلك؛ لينفعك حفظه إن صليت وحدك وأردت أن تطيل الصلاة، أو صليت خلف إمام يطيلها فتجد ما تقوله، ثم إن التنويع بين هذه الأذكار يدفع الغفلة ويجلب الاستحضار.
وبمناسبة دفع الغفلة وجلب الاستحضار؛ فإنه لا بد لك مع تعلم هذه الأذكار من مهمات:
[ ٨٤ ]
قواعد مهمة للأذكار:
أولها: فهم معاني هذه الأذكار، وتدبرها جيدًا. لأنه ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها، وعقل بمعنى فهم، فلابد أن تفهم وتعي ما تقول، بل لا بد أن تدرك ما تنطق به كي تحصل على أجرك كاملًا.
ثانيَا: احتساب الأجر؛ فإنما لكل امرئ ما نوى، ونيتك متابعة الرسول - ﷺ - في هذه الأذكار طاعةً لأمره"صلوا كَمَا رَأَيْتُمُوني أُصَلي (صحيح البخاري: ٥٦٦٢).
ثالثًا: حضور القلب عند النطق بهذا الذكر، بشهود سماع الرب وقربه - ﷿ -، فيرجف قلبك مع هذا الذكر، متدبرًا معناه، مستحضرًا سمع الله، قال رسول الله - ﷺ -: "يَا أَيُهَا النَّاسُ
اربَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنكمْ لا تَدْعُونَ أَصم وَلا غَائِبًا إنهُ مَعَكُمْ، إنهُ سَمِيعُ قَرِيب تَبَارَكَ اسمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ (صحيح البخاري: ٦٣٨٤).
رابعَا: اليقين بالإجابة والسماع، قال - ﷾ -: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]؛ وقد أخبرنا رسول الله - ﷺ -:" أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رِّبهِ وَهُوَ سَاجدُ فأكثروا الدعاءَ"صحيح مسلم:
٤٨٢)، وقال الله - ﷿ - في الَحديث القدسي: "وَأنا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي (صحيح مسلم: ٢٦٧٥).
[ ٨٥ ]
فباليقين فيما ذكرت لك من الأدلة، واليقين فيما ورد لك من الأذكار يغشى قلبك في الصلاة مشاعر ومعان .. قرب الرب .. سماعه - ﷾ - .. إجابته .. رفع الدرجات .. استجابة الدعاء، التأسي بالرسول - ﷺ - وذلك كله يجلب محبته - ﷾ -.
وبهذا تصير الصلاة قرة العين ..
وليس حظ القلب العامر بمحبة الله وخشيته والرغبة فيه واجلاله وتعظيمه من الصلاة كحظ القلب الخالي الخراب من ذلك، فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصلاة وقف هذا بقلب مخبت خاشع له، قريب منه، سليم من معارضات السوء، قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة، وسطع فيه نور الإيمان" وكُشِفَ عنه حجاب الغفلة ودخان الشهوات، فيرتع في رياض معاني القرآن.
ثم إذا خالط قلبه بشاشة الإيمان بحقائق الأسماء والصفات وعلوها وجمالها وكمالها الأعظم وتفرد الرب - ﷿ - بنعوت جلاله وصفات كماله، حينها اجتمع همه على الله - ﷿ -، وقرت عينه به، وأحسَّ بقربه من الله قربًا لا نظير له؛ ففرع قلبه له، وأقبل عليه بكليته.
وهذا الإقبال من هذا العبد في الصلاة بين إقبالين من ربه فإنه - ﷿ - أقبل عليه أولًا؛ فانجذب قلبه إليه بإقباله، فلما أقبل على ربه؛ حظي منه بإقبال آخر أتم من الأول.
[ ٨٦ ]
وها هنا عجيبة من عجائب الأسماء والصفات تحصل لمن تفقه قلبه في معاني القرآن وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعًا من صلاته ومحلا منها:
فإنه إذا انتصب قائمًا بين يدي الرب - ﷿ - شاهد بقلبه قيوميته - ﷾ -.
وإذا قال: الله أكبر شاهد كبرياءه - ﷾ - ..
وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك؛ شاهد بقلبه ربًّا منزهًا عن كل عيب، سالمًا من كل نقص محمودًا بكل حمد فحمده يتضمن وصفه بكل كمال وذلك يستلزم براءته من كل نقص تبارك اسمه، فلا يُذْكَرُ اسمُه تعالى على قليل إلا كثره، ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه، ولا على آفة إلا أذهبها، ولا على شيطان إلا رده خاسئًا داحرًا.
وإذا قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فقد أوى إلى ركنه الشديد، واعتصم بحوله وقوته من عدوه الذي يريد أن يقطعه عن ربه ويبعده عن قربه؛ ليكون أسوأ حالًا.
وهكذا إذا استحضر القلب المعاني حصلت الهيبة؛ فحصل الخشوع؛ فحصل الأجر؛ فكان القرب والحب، فلا تبدأ مباشرةً بقراءة الفاتحة؛ أنت بين يدي الملك ﷻ ..
[ ٨٧ ]
وإذا كانت العبادة: كمال الذل مع كمال الحب ..
فاستحضر غاية الحب بأقصى ما تستطيع من الذل، فإذا اجتمع لك الحب مع الذل وقفت بالخشوع والخضوع، تطلب الدخول على الملك .. ولكن لا بد من مقدمات ذل وحب .. كمال الذل وكمال الحب، سأذكر لك أولًا أدعية الاستفتاح الواردة كلها؛ فتخير منها ما شئت، أو اجمع بينها إن شئت ..