اعلم أيها الحبيب - عفا الله عني وعنك، وشغلنا في هذه الدنيا بذكره عن ذكر غيره، وبالعمل له دون غيره - أن ربك العظيم الحكيم قال وهو أحكم الحاكمين: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] فالله الذي خلق هو الذي يأمر - ﷿ - وأمره مطاع لامحالة، قال - ﷾ -: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٧ - ١٩] فافهم حبيبي إذًا قواعد ثابتات وأصول راسخات، ومنارات
لدينك وعلامات:
أولًا: خلق الله - ﷿ - الخلق لعبادته لا غير.
ثانيَا: العبادة المطلوبة معروفة محدودة من كلامه سبحانه ووحيه إلى نبيه محمَّد - ﷺ - قولًا وفعلًا.
ثالثًا: أن العبادة المحددة الواضحة المطلوبة أيضًا مشروطة بهيئة وكيفية محدودة يجب الالتزام بها.
[ ٧٧ ]
كل ذلك يعني أن الله لما خلقنا لعبادته وأمرنا بها لم يتركنا لأهوائنا نفعل ما نشاء كما نريد بزعم عبادته، وإنما افترض علينا فرائض وشرع لنا شرائع وسن لنا نوافل أوجب علينا الالتزام بها، وأخبرنا أنه لا سبيل إلى الوصول إليه إلا عن طريقها وشرط لها شروطًا، فقال - ﷾ -: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال رسول الله - ﷺ -: "مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا؛ فَهُوَ رَدَّ (صحيح البخاري: ٢٥٥٠).
واعلم رابعًا: أنه لما كان الله هو الآمر - ﷾ - وهو المراد، فإذا كان الصادق المخلص مطيعًا، فإنه لا يفتئت على الشرع، ولا يبتكر في الطاعة، بل يؤدي ما أمر به على الوجه الذي
شرع له، وينتظر الأجر الذي وعد به، فالعبد عبد، والرب رب.
ثم اعلم خامسًا: أن الله - ﷾ - أعلم بما يصلح عباده فهو أعلم ﷻ بمراده، وهو أعلم سبحانه بعباده؛ فبين لهم مراده، ولما شرع لهم الشرائع وفرض عليهم الفرائض أعانهم بتيسيره وكرمه سبحانه على فعلها، وشرعها لهم على أحسن الكمالات وأكمل الهيئات، وأفضل الحالات.
[ ٧٨ ]
وافهم سادسًا وأخيرًا: أن الله أمرالعباد أن تكون حياتهم كلها عبادة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
من أجل كل ما سبق وغيره نقول: إن ذكر الله - ﷾ - هو الركن الأكيد في كل حركة وسكنة من حركات البشر، فلا تجد لحظة عند دخول أو خروج أو جلوس أو قيام أو لبس أو خلع أو لقاء أو فراق إلا وشرع في مثل هذا وآلاف أمثاله ذكر خاص ينبغي لكل مسلم أن يذكر الله به.
هذه عظمة شريعة الله - ﷿ -، أن تظل كل حركة وسكنة وكل نفس من أنفاس ابن آدم في الدنيا يذكر العبد بالله - ﷾ - ولم أر والله مثل هذه العبادة - أعني ذكر الله - توفي هذا
المعنى، يعني أن يعيش الإنسان عبدا دائمًا، فالصلاة وقت بين إحرام وتسليم، والحج وقت بين إحرام وتحلل، وهكذا كل العبادات، أما الذكر فبدايته ولادة الإنسان، ونهايته شهادة لا إله إلا الله -، أسأل الله - ﷿ - أن يختم لنا بها.
واعلم - أيها الحبيب، شغلك الله بذكره عن ذكر غيره، وحبه عن حب غيره، والإنس به والوحشة عن غيره - أن ذكرك لله محفوف بذكرين: ذَكَرَكَ أولًا؛ فذَكَّرَكَ وأهَّلك لذكره فذكرته، ثم أثابك على ذكرك له ذكرًا أعظم منه وأفضل.
[ ٧٩ ]
ومن لم يذكره الله عاجز مهين، قال - ﷿ -: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
ومن أسباب الغفلة عن الذكر أيضًا التوسع في المباحات، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: ١٨] فقلوبهم بور لا تصلح لسقي ولا لغرس؛ فاحذر.
لذلك أنا أريد أن أؤكد ملزمًا أن الأذكار الموظفة ليست كما يفعل بعض الناس في زماننا ورقة أو كتيب أو كتاب يحمله ويرددها فقط من طرف اللسان؛ وإنما ينبغي أن تكون هذه الأذكار الموظفة محفوظة محفورة في جدار القلب لا ينساها الإنسان ولا يغفل عنها أبدًا.
وقد حرصت أن أستطرد وأستزيد وأستقصي كل ما ورد في كل باب قدر الإمكان، لتكون الحياة جميلة براقة رائعة مشرقة بذكر الله - ﷿ -؛ فوالله ما سعدت القلوب إلا بذكره، ولا أنست
الأرواح إلا بذكره، ولا استقامت الحياة إلا بذكر الله - ﷾ -.
وهيا إلى الذكر
دعك من كلام الناس، وخذ الذكر من منبعه وأصله، من رسول الله محمَّد - ﷺ -، خير من ذكر الله وأطاعه، محمَّد رسول الله - ﷺ -.
[ ٨٠ ]