ولذلك فإن أفضل الذكر هو الوارد في النصوص الصحيحة فإنها جامعة شاملة وذلك لسببين:
أولًا: لأنّ فيه متابعة للرسول - ﷺ -،وحكم العبادات توقيفية كما هو معلوم.
وثانيًا: لأنّ رسول الله - ﷺ - هو أعلم الناس بربه - ﷾ - وقد أوتي جوامع الكلم، وهو لا ينطق عن الهوى، فهذه الثلاثة العظيمة من مآثره وخصوصياته تُلزِمك أن تلزم قوله وتعتقد اعتقادًا جازمًا أن أفضل الذكر ما ورد عنه، ودعك عند ذلك من تأليف المؤلفين واختراع المخترعين وبدع المبتدعين، نعم لا نقول: إنه لا يجوز غيره، ولكننا نعتقد بيقين أنه ليس هناك أهم ولا أفضل ولا أجمع ولا أحسن منه: فافهم.
الثالث: الخبر عن الرب - ﷾ - بأحكام أسمائه وصفاته، نحو قولك: الله - ﷾ - يسمع أصوات العباد ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من آبائهم
وأمهاتهم، وهو على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من رجل وجد راحلته بعد أن فقدها ويئس من العثور عليها.
وأفضل هذا النوع: الثناء عليه بما أثنى به - ﷾ - على نفسه، وبما أثنى عليه به رسول الله - ﷺ - من غير تحريف، ولا تعطيل،
[ ٢٣ ]
ومن غير تشبيه، ولا تمثيل.
وهذا النوع أيضًا ثلاثة أنواع: حمد، وثناء، وتمجيد.
فالحمد لله: الإخبار عنه بكمال صفاته - ﷾ - مع محبته والرضا به، فلا يكون المحب الساكت حامدًا، ولا المثني عليه بلا محبة حامدًا حتى تجتمع له المحبة والثناء.
فإن كرر الحامد شيئًا بعد شيء؛ كانت ثناءًا.
فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك؛ كان تمجيدًا.
وقد جمع الله لعبده الأنواع الثلاثة في أول سورة الفاتحة، فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: قَالَ الله تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ قَالَ الله تَعَالَى: أَثنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وإذا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ قَالَ: مَجَّدَنِيِ عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قَالَ: هَذَا بَينِي وَبَيْنَ عَبدِي وِلِعبدي مَا سَأَلَ، فَإذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
(صحيح مسلم: ٣٩٥)
[ ٢٤ ]