الحمدُ لله رَبِّ العَالَمِين، والصَّلاةُ والكلامُ على أشرفِ المرسلين سيِّدِنا محمَّد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.
رَبّ يَسِّرْ وأَعِنْ وتَمِّمْ بِخَيرِ يَا كَرِيمُ إخوتي في الله، والذي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأَ النسْمَةَ إني أُحِبُّكُم في الله، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم الصدق والإخلاص، والعفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة.
أما بَعْدُ:
قال الله - ﷾ -: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَل تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]
وقال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾. [الأحزاب: ٤١]
وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
[ ١٧ ]
وقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
وقال ﷿: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
وقال رسول الله - ﷺ -: "مَثَلُ الذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالذي لا يَذكُرُ رَبّهُ مَثَلُ الْحَيَّ وَالمَيَّتِ" (صحيح البخاري: ٦٠٤٤).
وقال رسول الله - ﷺ -: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا في درَجَاتِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُم، وَخَيرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذهبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيرِ لَكُمْ مِنْ أن تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ
فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُم وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُم؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "ذكْرُ اللهِ تَعَالَى" (صحيح، سنن الترمذي: ٣٣٧٧).
وقال - ﷺ -: "يَقُولُ الله تَعَالَى: أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي؛ فَإِنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ؛ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وَإِنْ ذَكرَنِي في مَلإ؛ ذَكَرْتُهُ في مَلأ خَيرِ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلي
بِشِبْرِ؛ تَقَربتُ إِلَيهِ ذرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَي ذرَاعًا؛ تَقَرَّبْتُ إِلَيهِ بَاعًا، وإنْ أتاني يَمْشِي أَتَيتُهُ هَرْوَلَةَ" (صحيح البخاري: ٦٩٧٠).
[ ١٨ ]
وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرِ - ﵁ - أَنَّ أَعْرَابِيا قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: إِن
شَرَائِعَ الإسْلام قدْ كَثُرَتْ عَلَى، فَأَنْبِئْنِي مِنهَا بِشَيءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: "لا يَزَالُ لِسَانُك رَطْبًا مِنْ دكْرِ الله" (صحيح، سنن الترمذي: ٣٣٧٥).
وقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَا مِنْ قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللهَ لا يُرِيدونَ بذلِكَ إِلا وَجْهَهُ إِلا نَادَاهُمْ مُنَادٍ من السمَاءِ: أَنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكُم؛ قَدْ بُدَّلَتْ سَيئَاتُكُمْ حَسَنَاتِ".
(رواه الإِمام أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٥٥٠٧)
وقال - ﷺ -: "مَنْ قَعَدَ مَقْعَدَا لَمْ يَذْكُرْ اللهَ فِيهِ؛ كَانَتْ عَلَيهِ مِنْ الله تِرَة" (صحيح، سنن أبي داود: ٤٨٥٦).
بعد كل الآيات والأحاديث السابقة، لا بد لي أن أقول: إن قضية ذكر الله ليست مسألة من مسائل الفقه أو الفروع في دين الإِسلام، بل إني أعتقد - والله أعلم - أن ذكر الله هو نفس الدين، فهو علاقة العبد بربه - ﷾ -، ولذلك لا أغالي إذا قلت: إن أصح المؤمنين إيمانًا وأعمقهم يقينًا هم أكثرهم لله ذكرًا.
ولك أن تتأمل حياة رسول الله - ﷺ -، فإنك تعجب لهذا التفاني في كثرة ذكر الله وإخلاصه فيه، حتى يقول - فداه أبي وأمي ونفسي - رسول الله - ﷺ -: "إنهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لأسْتَغْفِرُ اللهَ في الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّة" (صحيح مسلم: ٢٧٠٢)، أي إنه لا يغفل أبدًا مطلقًا، وإذا حصل هذا الغين اليسير الطارئ استغفر له مائة مرة.
[ ١٩ ]
انظر إلى أي حركة في حياته - ﷺ - تجدها لا تخلو من ذكر، وهذا ما ستدركه جيدًا بيقين إذا درست هذا الكتاب بفهم ووعي، ولذلك وبحق أقول لك يا ابن الإِسلام: لا بد أن تتعلم .. لا بد - أن تفهم، فليست القضية في حفظ النصوص وإيرادها فقط؛ وإنما القيمة في اللهم والعمل مع العلم، فلابد من علم بفهم، وعمل بنية؛ لكي يؤتي العلم والعمل ثمرتهما، فإذا كان الأمر كذلك؛ فاعلم أن للذكر: أنواعًا متعددة مختلفة المراتب متفاوتة التأثير: