الذكر هو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عبده ما لم يغلقه العبد بغفلته.
قال الحسن البصري - ﵀ -: تفقدوا الحلاوة في ثلاثهَ أشياء: في الصلاة، وفي الذكر، وقراءة القرآن، فإن وجدتم، وإلا فاعلموا أن الباب مغلق.
وحقًا ما عرف قدر جلال الله من فتر لحظة عن ذكره.
ولك في النبي - ﷺ - أسوة حسنة، قالت عائشة - ﵂ -: كَانَ النبي - ﷺ - يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحيَانِهِ (صحيح مسلم: ٣٧٣).
ولم تستثن حالة من حالاته، وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته، وأما في حال التخلي فلم يكن يشاهده أحد يحكي عنه، ولكن شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الاعتناء بالذكر، وأنه لا يخل به عند قضاء الحاجة وبعدها، وأما عند نفس قضاء الحاجة فلا ريب أنه لا يكره بالقلب؛ لأنه لا بد لقلبه من ذكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب شيء إليه فلو كلف القلب نسيانه لكان تكليفه بالمحال.
[ ٣٤ ]
فأما الذكر باللسان على هذه الحالة فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه رسول الله - ﷺ - ولا نقل عن أحد من الصحابة - ﵃ -، ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه الحالة، وهي من أجل الذكر، فذكر كل حال بحسب مايليق بها.
أما القرآن، وهو أعظم أنواع الذكر، فما قام أحد به قيام رسول الله - ﷺ -، وما تدبره أحد تدبر رسول الله - ﷺ -، وما بكى أحد من تلاوته أو استماعه ما بكى سيد الخائفين - ﷺ -، أما قال لابن مسعود - ﵁ -: "اقْرَأْ عَلَيَّ، فَإنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيري" (صحيح البخاري: ٤٧٦٣)، وينظر ابن مسعود - ﵁ -
إلى النَبي - ﷺ - فإذا وجهه الكريم قد بللته الدموع ..
وانظر وتأمل: ماذا يحب؟
قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى مِنْ صَلاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشمْسُ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَعِيلَ، وَلأَنْ أَقعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذكُرُونَ الله
مِنْ صَلاةِ الْعَصرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً" (حسن، سنن أبي داود: ٣٦٦٧).
وقيل لأبي الدرداء - ﵁ -، وكان لا يفتر من الذكر: كم تسبح في كل يوم؟ قال: مائة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع.
[ ٣٥ ]