في ذلك فقال: هل تعلمين يا حمقاء أن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسي منافقًا، يُسلبُ إيمانه وهو لا يشعر، فأنا لهذا الميت أغبط مني لهذا بالبقاء في الصلاة والصيام (١).
أخي المسلم .. اسأل الله الثبات على هذا الدين فكل حين نسمع أخبار من ترك طريق الهداية وزلت به قدمه في طريق الغواية .. أخبار تقشعر لها الأبدان وتذهل لها العقول فإنها أشد فتنة وأكبر مصيبة أن يتحول الإنسان من حال الصلاح إلى حال أخرى .. عصمنا الله من ذلك وأحيانا مسلمين وأماتنا مسلمين.
لما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: والله ما أبكي لذنب أعلم أني أتيته، ولكن أخاف أني أتيت شيئًا حسبته هينًا وهو عند الله عظيم (٢).
ووالله إن في ذلك لعبرة، فنحن نودع الآباء والأبناء ونرى كيف يوسدون الثرى وينثر عليهم التراب وتغلق عليهم تلك الحفر الضيقة في قبور صغيرة موحشة، ولكننا لا نتفكر فيما نحن عليه مقبلون، ولممر نحن له عابرون .. ولطريقٍ عليه سائرون.
بكى الحسن البصري عند موته وقال: نُفيسة ضعيفة، وأمر مهولٌ عظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولو تفكرت -يا أخي الحبيب- الآن في أن الموت ببابك وملك
_________________
(١) شرح الصدور: (١١).
(٢) الثبات عند الممات: (٩٤).
[ ٢١ ]
الموت يطلب جنابك، ولعلمت هول المطلع، ووالله لفزعت وذُهلت، هذا وأنت بحال الدنيا، فكيف والأمر جد، ومن الموت لا بد .. نزل بساحة من سبقنا وله منزل بساحتنا حتى نقدم على الله ﷿ .. وما ظنك بهذا القدوم .. وكيف تجهزت له؟ ! إنه قدوم على الله بعد مسير في هذه الدنيا وضرب في أطراف وحساب لأزمانها وأوقاتها وذنوبها وحسناتها .. إنه حساب لا يدع مثقال ذرة إلا أحصاها ولا أقل من ذلك ولا أكثر إلا في كتاب.
سُئل أبو حازم: كيف القدوم على الله؟ قال: أما المطيع فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه، وأما العاصي فكقدوم الآبق على سيده الغضبان.