١- روي أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ -﵁-: كان يمرُّ بالآيةِ من وردِه بالليلِ فيسقط حتى يُعاد منها أيامًا كثيرةً، كما يُعاد المريضُ (١) .
٢- وكان ابنُ مسعودٍ -﵁- إذا هدأتِ العيونُ قام فيسمعُ له دويٌّ كدويِّ النحلِ حتى يصبحَ. (٢)
٣- وكان طاووس -﵀- إذا اضطجعَ على فراشِه تقلَّب عليه كما تقلب الحبةُ في المقلاةِ ثم يثِبُ ويصلي إلى الصباحِ، ثم يقول: طيَّر ذكرُ جهنمَ نومَ العابدين. (٣)
_________________
(١) حياء علوم الدين
[ ٥٧ ]
٤- وقال الحسنُ: ما نعلم شيئًا أشدَّ من مكابدةِ الليلِ، ونفقةِ هذا المالِ، فقيل: ما بالُ المتهجدينَ من أحسنِ الناسِ وجوهًا، قال: لأنَّهم خلوا بالرحمنِ فألبسهم نورًا من نورِه. (١)
٥- قال الفضيلُ: إني لأستقبلُ الليلَ من أوَّلِه فيهولني طولُه فأفتتحُ القرآنَ فأصبحُ وما قضيتُ نهمتي. (٢)
فانظر يرعاك الله إلى اللذة التي يشعر بها حتى لا يشعر بالوقت بل يحسه قصيرًا في جانب مناجاته لربه. (٣)
وليس ذلك كل ليلة.. فحاشا أن يخالفوا سنةَ رسولِ اللهِ وإنما أخبر عن هذا الحديثِ ولو كان ليلةً.
٦- وقال أيضًا: إذا لم تقدر على قيامِ الليلِ وصيامِ النهارِ فاعلم أنَّك محرومٌ وقد كثرت خطيئتُك.
٧- كان للحسنِ بنِ صالحٍ جاريةٌ فباعها من قومٍ، فلما كان في جوفِ الليلِ قامت الجاريةُ فقالت: يا أهلَ الدارِ الصلاةَ الصلاةَ، فقال: أصبحنا؟ أطَلَع الفجرُ؟ فقالت: وما تصلون إلا المكتوبةَ؟! قالوا: نعم، فرجعَتْ إلى الحسنِ فقالت: يا مولاي بعتني من قومٍ لا يصلون إلا المكتوبةَ؛ رُدَّني، فرَدَّها.
٨- قال الربيعُ: بتُّ في منزلِ الشافعيِّ –﵀- ليالي كثيرةً فلم يكن ينامُ من الليلِ إلا يسيرًا.
٩- وكان أبو حذيفةَ يحيي نصفَ الليلِ فمرَّ بقومٍ، فقالوا: إنَّ هذا يحيي الليلَ كلَّه، فقال: إني أستحي أن أُوصفَ بما لا أفعلُ، فكان بعد ذلك يحيي الليلَ كلَّه.
وقد سبق أن بيَّنتُ أنَّ إحياءَ الليلِ كلِّه كلَّ ليلةٍ منهيٌّ عنه، فلعلَّ من روى ذلك عن أبي حذيفةَ اعتقد ذلك كما وصفوه بذلك من قبلُ؛ولم يكن يقومُ إلا نصفَ الليلِ.
_________________
(١) حياء علوم الدين
(٢) حياء علوم الدين
[ ٥٨ ]
١٠- يقال إنَّ مالكَ بنَ دينارٍ –﵁- بات يردد هذه الآيةَ ليلةً حتى أصبحَ (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [الجاثية:٢١] .
١١- وقال المغيرةُ بنُ حبيبٍ: رمقتُ مالكَ بنَ دينارٍ –﵀- فتوضأ بعد العشاءِ ثم قام إلى مصلاه فقبضَ على لحيتِه فخنقته العبرةُ، فجعلَ يقول: اللهم حرّم شيبةَ مالكٍ على النارِ، إلهي قد علمتَ ساكنَ الجنةِ من ساكنِ النارِ فأيُّ الرجلين مالكٌ، وأيُّ الدارين دارُ مالكٍ فلم يزل يقولُ ذلك حتى طلعَ الفجرُ.
١٢- وقال مالكُ بنُ دينارٍ سهرت ليلةً عن وردي ونمتٌ، فإذا أنا في المنامِ بجاريةٍ كأحسنِ ما يكون وفي يدها رقعةٌ، فقالت لي: أتحسنُ تقرأ؟ فقلت: نعم فدفعتْ إليَّ الرقعةَ فإذا فيها:
أألهتك اللذائذُ والأماني عن البيضِ الأوانسِ في الجنان
تعيش مخلدًا لا موت فيها وتلهو في الجنان مع الحسان
تنبَّه من منامك إن خيرًا من النوم التهجد بالقران (١)
١٣- عن نافعٍ أنَّ ابنَ عمرَ –﵁-: "كان إذا فاتته صلاةُ العشاءِ في جماعةٍ أحيا بقيةَ ليلِه" (٢) . وكان -﵁-: "كلما استيقظَ من الليلِ صلى"١.
١٤- عن بردٍ مولى ابنِ المسيبِ قال: "ما نودي للصلاةِ منذ أربعين سنةٍ إلا وسعيدٌ في المسجدِ"١.
_________________
(١) إحياء علوم الدين ١/٣٥٥
(٢) حلية الأولياء لأبي نعيم ١/١٦٣
[ ٥٩ ]
١٥- عن مسلمةَ بنِ محاربٍ قال: قدم عروةُ بنُ الزبير على الوليدِ بنِ عبدِ الملكِ ومعه ابنه محمدُ بنُ عروةَ فدخل محمدُ بنُ عروةَ دارَ الدوابِّ فضربتْه دابةٌّ فخرَّ، فحُمل ميتًا، ووقعت في رجلِ عروةَ الأكلةُ، ولم يدع تلك الليلة وردَه، فقال له الوليد: اقطعها قال: لا، فترقت إلى ساقه، فقال له الوليد: اقطعها وإلا أفسدت عليك جسدك، فقطعت بالمنشار وهو شيخ كبير، فلم يمسكه أحد، وقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا. وقال محمدُ بنُ عبيدٍ: لم يتركْ عروةُ بنُ الزبيرِ وردَه إلَّا في الليلِ التي قُطعت فيها رجلُه، قال: وتمثَّلَ بأبياتِ معنِ بن أوسٍ:
لعمرك ما أهويتُ كفي لريبةٍ ولا حملتني نحو فاحشةٍ رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ من الدهر ِإلا قد أصابت فتىً قبلي (١)
١٦-كان لأبي مسلمٍ الخولانيِ ﵀ سوطٌ يعلِّقه في مسجدِه فإذا كان السحرُ ونعسَ أو ملَّ أخذَ السوطَ وضربَ به ساقيه ثم قال: لأنتِ أولى بالضربِ من شرارِ الدوابِّ.
١٧- كان أيَّوبُ السختيانيُّ يقوم الليلَ كلَّه، فيُخفي ذلك، فإذا كان عند الصبحِ، رفع صوتَه كأنَّه قام تلك الساعةَ.
١٨- كان الحسنُ يصلي فإذا أعيي صلى قائمًا فإذا فتر صلى مضطجعًا (٢) .
١٩- كان سليمانُ التيميُّ مرةً يصلي بعد العشاءِ الآخرةِ فقرأ (تباركَ الذي بيدِه الملكُ) حتى أتى على قوله: (فلما رأوه زلفةً سيئت وجوهُ الذين كفروا) جعل يردِّدُها إلى الفجرِ، ولما ماتَ قالت جاريةٌ من جيرانِه لأمِّها: يا أمَّاه ما فعلَ المشجبُ الذي كان فوقَ ذلك السطحِ؟ تظن أنَّ سليمانَ التيميَّ﵀- كان المشجب (٣) .
_________________
(١) حلية الأولياء لأبي نعيم ٢/١٧٨٢٢ ٢مختصر قيام الليل للمروزي.
(٢) ختصر قيام الليل.
[ ٦٠ ]