لقد عقدتُ هذا الفصلَ لأبينَ حرصَ رسولِ اللهِ -ﷺ- على القيامِ، وحالَه فيه من الخشوعِ والبكاءِ والتطويلِ، ولستُ أريدُ بعقدِه بيانَ هديِه في القيامِ وعددَ ركعاتِه وأحوالَ قنوتِه وغيرَها لأني لن أستوعبَها في هذه الصفحاتِ.
والتطويلُ هنا مخالفٌ لجملةِ الرسالةِ، وإنما أُحيل القارئَ الكريمَ على بعضِ الكتبِ التي وصفت قيامَه -ﷺ-. وبينَّت أحكامَ هذا القيامِ سواءً أكان ذلك في كتابٍ مفردٍ أم في جزءٍ من كتابٍ قديمًا وحديثًا.
فمِمَّن كتبَ فيه ابنُ القيَّمِ -﵀- في كتابِه القيمِ المشهورِ (زادِ المعادِ (١)، وممن أفرد له كتابًا من المحدثين الدكتور فيحان المطيري في كتابِه (إسعافِ أهلِ العصرِ بما وردَ في أحكامِ الوترِ) .
وأُورِد بعضَ الأحاديثِ التي تبيِّنُ حرصَه -ﷺ- على قيام الليل:
١- عن أبي ذرٍ -﵁- قال: قام النبيُّ -ﷺ- حتى أصبحَ بآية (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة:١١٨] رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.
_________________
(١) الجزء الأول ص٣٢٢-٢٤١.
[ ٥٥ ]
٢- عن المغيرةِ بنِ شعبةَ –﵁- قال: قام النبيُّ –ﷺ- حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: قد غُفرَ لك ما تقدَّم من ذنبِك وما تأخرَ؟ قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) متفق عليه.
٣- - قالت عائشةُ -﵂-: (لا تدع قيامَ الليلِ، فإنَّ رسولَ الله –ﷺ- كان لا يدعه، وكان إذا مرضَ أو كسلَ صلَّى قاعدًا) رواه أبو داوود وابن خزيمة وصححه الألباني.
٤- عن أنسٍ -﵁- قال:" كان رسولُ اللهِ –ﷺ- يفطرُ من الشهرِ حتى نظنَّ أن لا يصومَ منه، ويصومُ حتى نظنَّ أن لا يفطرَ منه شيئًا، وكان لا تشاءُ أن تراه مصليًا إلا رأيتَه ولا نائمًا إلا رأيتَه". رواه البخاري.
٥- عن عائشةَ -﵂-: (أنَّ رسولَ اللهِ –ﷺ- كان يصلي إحدى عشرة ركعةً –تعني في الليل- يسجدُ السجدةَ من ذلك قدرَ ما يقرأُ أحدُكم خمسين آيةً، قبل أن يرفعَ رأسَه ويركعُ ركعتين قبلَ صلاةِ الفجرِ، ثم يضطجعُ على شقِّهِ الأيمنِ حتى يأتيَه المنادي للصلاةِ) رواه البخاري.
٦- عن ابنِ مسعودٍ –﵁- قال:"صليتُ مع النبيِّ –ﷺ- ليلةً، فلم يزل قائمًا حتى هممتُ بأمرِ سوءٍ، قيل: وما هممتَ؟ قال: هممتُ أن أجلسَ وأدعَه". متفق عليه.
[ ٥٦ ]
٧- عن حذيفةَ -﵁- قال: " صليتُ مع النبيِّ -ﷺ- ذاتَ ليلةٍ، فافتتحَ البقرةَ، فقلتُ: يركعُ عند المئةِ، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعةٍ، فمضى فقلتُ: يركعُ بها، ثم افتتحَ النساءَ فقرأَها، ثم افتتحَ آلَ عمرانَ فقرأَها، يقرأُ مترسلًا: إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّحَ، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوذٍ تعوذ، ثم ركعَ فجعل يقولُ: سبحانَ ربي العظيمِ، فكان ركوعُه نحوًا من قيامِه، ثم قال: سمعَ اللهُ لمن حمدَه، ربَّنا لك الحمدُ، ثم قامَ طويلًا قريبًا مما ركعَ، ثم سجدَ فقال: سبحانَ ربي الأعلى، فكان سجودُه قريبًا من قيامِه". رواه مسلم.
٨- عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّه سألَ عائشةَ: " كيف كانت صلاةُ رسولِ اللهِ -ﷺ- في رمضان؟ قال: فقالت: ما كان رسولُ الله -ﷺ- يزيدُ في رمضان ولا في غيرِه على إحدى عشرة ركعةٍ، يصلي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهِنَّ وطولهِنَّ، ثم يصلي أربعًا فلا تسألْ عن حسنهِنَّ وطولهِنَّ، ثم يصلي ثلاثًا، قالت عائشةُ: فقلت: يا رسولَ الله أتنامُ قبل أن توترَ؟ فقال: (يا عائشةُ إنَّ عينيَّ تنامانِ ولا ينامُ قلبي) متفق عليه.
فصلٌ