ولأن " أدب الأئمة إِمام الأدب " نعرض فيما يلي مواقف عملية لأئمة الهدى في التأدب مع مشايخهم، ومع أقرانهم، لعلنا نقتبس منها الدرس والعبرة:
فعن موسى بن يسار قال: (كان رجاء بن حيوة، وعدي بن عدي، ومكحول في المسجد، فسأل رجل مكحولًا عن مسألة، فقال مكحول: " سلوا شيخنا وسيدنا رجاء بن حيوة ") (١).
(وكان القاضي " أحمد بن إبراهيم بن حماد المالكي " مع كونه كبير القضاة، إلا أنه كان يتردد إلى الإمام " أبي جعفر الطحاوي الحنفي " يسمع من تصانيفه، واتفق مجيء شخص لاستفتاء الطحاوي عن مسألة، والقاضي عنده، فقال له الطحاوي: " مذهب القاضي -أيده الله- كذا وكذا، فقال له السائل: " ما جئت إلى القاضي، إنما جئت إليك "، فقال: " يا هذا، هو كما قلت "، فأعاد السائل، فقال له القاضي: " أفته -أيدك الله- برأيك " فقال له الطحاوي: " إذا حيث أذن القاضي -أيده الله- أفتيته "، ثم أفتاه) (٢).
وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: (كان يحيى بن سعيد يجالس ربيعة، فإذا غاب ربيعة، حدثهم يحيى أحسن الحديث، وكان كثير الحديث، فإذا حضر ربيعة كفَّ يحيى إجلالًا لربيعة، وليس ربيعة بأسنَّ منه، وهو فيما هو
_________________
(١) " الفقيه والمتفقه " (٢/ ١٧٩).
(٢) " ذيل التبر المسبوك " (١٦).
[ ١٧٩ ]
فيه، وكان كل واحد منهما مبجِّلًا لصاحبه) (١).
إن يختلفْ ماءُ الوِصال فماؤنا عَذْبٌ تَحَدَّرَ مِن غَمامٍ واحِد
أو تختلفْ نسبًا يؤلفْ بيننا أدب أقمناه مقامَ الوالدِ
وعن عبيد الله بن عمر قال: (كان يحيى بن سعيد يحدثنا، فيَسحُّ علينا مثل اللؤلؤ -ويشير عبد الله بيديه إحداهما على الأخرى- قال عُبيد الله: " فإذا طلع ربيعة، قطع يحيى حديثه إجلالًا لَربيعة، وإعظامًا له ") (٢)
عن محمد بن رافع قال: (كنت مع أحمد وإسحاق عند عبد الرزاق، فجاءنا يوم الفطر، فخرجنا مع عبد الرزاق إلى المصلَّى، ومعنا ناس كثير، فلما رجعنا، دعانا عبد الرزاق الي الغداء، ثم قال عبد الرزاق لأحمد وإسحاق: " رأيت اليومَ منكما عجبًا، لم تكبرا "، فقال أحمد وإسحاق: " يا أبا بكر، كنا ننتظر هل تكبر، فنكبر، فلما رأيناك لم تكبر، أمسكنا "، قال: " وأنا كنت أنظر إليكما، هل تكبِّران فأكبر!! ") (٣).
وقيل لأبي وائل: " أيكما أكبر؛ أنت أم الربيع بن خثيم؟ "، قال: " أنا أكبر منه سنًا، وهو أكبر مني عقلًا " (٤).
وقال أبو حاتم الرازي: (كان ابن المديني عَلَمًا في الناس في معرفة الحديث والعلم، وكان أحمد بن حنبل لا يسميه، إنما يَكْنِيه تبجيلاَّ لَه) (٥).
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء " (٦/ ٩٢).
(٢) " الجامع " للخطيب (١/ ٣٢٠).
(٣) " سير أعلام النبلاء " (٩/ ٥٦٦).
(٤) " السابق " (٤/ ١٦٣).
(٥) " السابق " (١١/ ٤٣).
[ ١٨٠ ]
وقال أيضًا: (ما سمعت أحمد بن حنبل سمَّاه قط -يعني علي بن المديني- إنما كان يكنيه تبجيلًا له) (١).
وقال أحمد بن حنبل: (قال لنا الشافعي: " أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث، فقولوا لنا حتى آخذ به ") (٢).
وجاء يحيى بن معين إلى أحمد بن حنبل فبينا هو عنده، إذ مرَّ الشافعي على بغلته، فوثب أحمد يُسَلِّم عليه وتبعه، فأبطأ، ويحيى جالس، فلما جاء قال يحيى: " يا أبا عبد الله كم هذا؟ "، فقال: " دع عنك هذا، إن أردت الفقه فالزم ذَنَبَ البغلة " (٣).
وقال العراقي: " لا ينبغي للمحدث أن يحدّث بحضرة من هو أولى منه بذلك ".
وكان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشيء لسنه (٤).
وقال سفيان الثوري لسفيان بن عيينة: " مالك لا تحدث؟ " فقال: " أمَّا وأنت حيٌّ فلا " (٥) *
وقال أبو إسحاق الجوزجاني: سمعت يحيى بن معين يقول: " الذي يُحدِّثُ ببلد به من هو أولى بالتحديث منه أحمق، وإذا رأيتني أحدِّث ببلد فيها مثلُ أبي مُسْهِر فينبغي للحيتي أن تُحلقَ " (٦).
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ " (٢/ ٤٢٨).
(٢) " تذكرة السامع والمتكلم " ص (٢٩).
(٣) " مناقب الشافعي " اللبيهقي (٢/ ٢٥٢)، و" سير أعلام النبلاء " (١٠/ ٨٦ - ٨٧).
(٤) " الجامع " للخطيب (١/ ٣٢٠).
(٥) " السابق " (١/ ٣١٨).
(٦) " سير أعلام النبلاء " (١٠/ ٢٣١) وقوله: " فينبغي للحيتي أن تُحْلق " يعني عقوبةً وتعزيرًا، وقد =
[ ١٨١ ]
وقال بعض أهل العلم في حق الحاكم ابن البيِّع صاحب " المستدرك ": (ولقد سمعت مشايخنا يذكرون أيامه، ويحكمون أن مقدمي عصره مثل أبي سهل الصعلوكي، والإمام ابن فورك، وسائر الأئمة يقدمونه على أنفسهم، ويُراعون حق فضله، ويعرفون له حرمته الأكيدة) (١) اهـ
وكان بين الإمامين أبي نعيم وابن مَنْدة وحشة شديدة، ومع ذلك لما ذُكر لأبي نعيم ابنُ مَندة؛ قال: " كان جبلًا من الجبال " (٢).
ولما قدم العز بن عبد السلام إلى الديار المصرية بالغ الشيخ زكيُّ الدين المنذرى (محدِّث مصر وصاحب كتاب " الترغيب والترهيب " في الأدب معه، وامتنع من الإفتاء لأجله، وقال. " كنا نفتي قبل حضوره، وأما بعد حضوره؛ فمنصب الفتيا متعين فيه ") (٣).
أدب كمثل الماءِ لو أفرغتَه يومًا لسال كما يسيلُ الماء
* * *
_________________
(١) = نص بعض فقهاء الشافعية على أنه (يجوز التعزير بحلق الرأس لا اللحية) اهـ. من " تحفة المحتاج " (٩/ ١٧٨).
(٢) " سير أعلام النبلاء " (١٧/ ١٧٠).
(٣) " السابق " (١٧/ ٣٢).
(٤) " حسن المحاضرة " (١/ ١٢٧).
[ ١٨٢ ]