فعن أبي هريرة ﵁ قال رسول - ﷺ -: " أكثروا من ذكر هاذم اللذات " (٢).
وعن ابن عمر ﵄ قال: (أتيت رسول - ﷺ - عاشر عشرة، فقال رجل من الأنصار: " من أكيس الناس، وأكرم الناس يا رسول الله؟ "، فقال - ﷺ -: " أكثرهم ذكرًا للموت، وأشدهم له استعدادًا، أولئك هم الأكياس، ذهبوا بشرف الدنيا، وكرامة الآخرة " (٣).
قال الحسن: " ما رأيت عاقلًا قط، إلا أصبته من الموت حذرًا، وعليه حزينًا "، وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة، ثم يبكون حتى كان بين أيديهم جَنازة، وقال أشعث: " كنا ندخل على الحسن، فإنما هو النار، وأمر الآخرة، وذكر الموت ".
وكتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه: " يا أخي احذر الموت في هذه الدار؛ قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده ".
_________________
(١) " السابق " (٦/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٢) رواه الترمذي (٦/ ٥٩٤ - تحفة)، وقال: " حسن غريب "، والنسائي (٤/ ٤)، وابن ماجه (٤٢٥٨)، وابن حبان (٢٥٥٩، ٢٥٦٢)، والحاكم (٤/ ٣٢١)، وقال: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في " الإرواء " (٣/ ١٤٥) بشواهده- والهاذم هو القاطع.
(٣) رواه ابن ماجه (٤٢٥٩)، وابن أبي الدنيا، قال العراقي: " إسناده جيد "، وحسنه الألباني في " الصحيحة " رقم (١٣٨٥).
[ ١٢٥ ]
وثمرة ذكر الموت أنه يرقق القلب، ويذيب قسوته، ويوقظه من غفلته، فيرجع العبد عن المعاصي، ويخرج من المظالم، ويقبل على الطاعات، ويكثر منها، لئلا يفجأه الموت الذي يقطعه عن أسباب النجاة، ويفوت عليه العمل الصالح، ورُوي عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " أتاني جبريل ﵇، فقال: يا محمد عش ما شئت فإِنك ميت، وأحبب من شئت فإِنك مقارقه، واعمل ما شئت فإِنك مجزيّ به " الحديث (١).
وعن البراء بن عازب -﵁- قال: (بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - إذ بصر بجماعة، فقال: " على ما اجتمع هؤلاء؟ " قيل: " على قبر يحفرونه "، ففزع رسول الله - ﷺ -، فبدر بين يدي أصحابه مسرعًا حتى انتهى إلى القبر، فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: " أي إِخواني لمثل هذا اليوم فأعِدّوا " «٢).
وقال عمر بن عبد العزيز لأبي حازم: " عظني "، فقال: " اضطجع، ثم اجعل الموت عند رأسك، ثم انظر ما تحب أن يكون فيك تلك الساعة فجدَّ فيه الآن، وما تكره أن يكون فيك، فدعه الآن ".
اليوم تفعل ما تشاء وتشتهي وغدًا تموت وتُرفَعُ الأقلامُ
وقال أبو حازم سلمة بن دينار: " كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى مت ".
وقد ربط رسول الله - ﷺ - " ذكر الموت "، وبين " حفظ اللسان " كما في
_________________
(١) رواه أبو نعيم في " الحلية " (٣/ ٢٥٣)، والحاكم (٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسَّنه المنذري في " الترغيب " (٢/ ١١)، والألباني في " الصحيحة " رقم (٨٣١).
(٢) رواه ابن ماجه (٤١٩٥)، والإمام أحمد (٤/ ٢٩٤)، والخطيب في " التاريخ " (١/ ٣٤١)، وحسنه الألباني في " الصحيحة " رقم (١٧٥١).
[ ١٢٦ ]
قوله - ﷺ - لمن جاءه، فقال: " عظني وأوجز "، فقال: " إِذا قمت في صلاتك، فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدًا " الحديث (١).
وقال - ﷺ -: " من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى " (٢) الحديث.
واغتاب رجل عند معروف الكرخي فقال: " اذكر القطن إذا وُضع على عينيك " (٣).
* * *
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٤١٧١)، والإمام أحمد (٥/ ٤١٢)، وأبو نعيم في " الحلية " (١/ ٤٦٢)، وحسنه الألباني في " الصحيحة " رقم (٤٠١).
(٢) رواه من حديث ابن مسعود ﵁ الإمام أحمد (١/ ٣٨٧)، والترمذي (٢٤٥٨)، والحاكم (٤/ ٣٢٣)، والطبراني في " الكبير " (٣/ ٢٤٦)، وحسنه الألباني في " صحيح الجامع " (٣١٨/ ١).
(٣) " سير أعلام النبلاء " (٩/ ٣٤١).
[ ١٢٧ ]