وكيف تُحبطُ الغيبة حسناتِهِ، وتُذْهبها أحوجَ ما يكون إليها، حيث تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه بدلًا عما استباحه من عرضه، فإن لم تكن له حسنات؛ نُقل إليه من سيئات خصمه، فأدنى عواقب الغيبة أن تنقص من ثواب أعماله، وذلك بعد المخاصمة، والمطالبة، والسؤال والجواب، والحساب.
قال الشاعر:
وأعقلُ الناسِ من لم يرتكب سببًا حتى يُفَكِّرَ ما تجني عواقبه
آخر:
وأحزم الناسِ من لو مات من ظمإ لا يقرب الوِرْدَ حتى يعرفَ الصَّدَرا
قال رجل للحسن: " بلغني أنك تغتابني "، فقال: " لم يبلغ قدرك عندي أن أحكِّمك في حسناتي " (١).
وقال رجل للفضيل بن عياض: " إن فلانًا يغتابني "، فقال: " قد جلب لك الخير جلبًا " (٢).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: " لولا أني أكره أن يُعْصى الله، لتمنيت أن لا يبقى أحد في المِصْر إلا اغتابني، أي شيء أهنأ من حسنة يجدها الرجل في
_________________
(١) " الجامع لأحكام القرآن " للقرطبي (١٦/ ٣٣٦).
(٢) " حلية الأولياء " (٨/ ١٠٨).
[ ١٢١ ]
صحيفته لم يعمل بها؟! " (١).
وروي عن الحسن أن رجلًا قال: " إن فلانًا قد اغتابك "، فبعث إليه طبقًا من الرطب، وقال: " بلغني أنك أهديت إليَّ حسناتك، فأردت أن أكافئك عليها، فاعذرني، فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام " (٢).
وكتب أشهب بن عبد العزيز إلى رجل كان يقع فيه: " أما بعد: فإنه لم يمنعني أن أكتب إليك أن تتزايد مما أنت فيه إلا كراهية أن أعينك على معصية الله، واعلم أني أرتع في حسناتك ما ترعى الشاة الخضر، والسلام " (٣).
وذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: " يا مكذب! بخلت بدنياك على أصدقائك، وسخوت بآخرتك على أعدائك، فلا أنت فيما بخلت به معذور، ولا أنت فيما سخوت به محمود " (٤).
عن جعفر بن محمد قال: " إذا بلغك عن أخيك ما يسوؤك، فلا تغتم، فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة عُجِّلت، وإن كان على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها " (٥).
وقيل لعمرو بن عبيد: " لقد وقع فيك فلان حتى رحمناك "، قال: " إياه فارحموا " (٦).
_________________
(١) رواه البيهقي في " الشعب " (٥/ ٣٠٥).
(٢) " تنبيه الغافلين " (١/ ١٧٦).
(٣) " ترتيب المدارك " (١/ ٤٥٠).
(٤) " تنبيه الغافلين " (١/ ١٧٧).
(٥) " سير أعلام النبلاء " (٦/ ٢٦٤).
(٦) " الجامع لأحكام القرآن " (١٦/ ٣٣٦).
[ ١٢٢ ]
وقال الإمام عبد الله بن المبارك ﵀: " لو كنت مغتابًا أحدًا لاغتبت والديَّ؛ لأنهما أحق بحسناتي ".
وقال أيضًا: (قلت لسفيان الثوري: " ما أبعد أبا حنيفة من الغيبة! ما سمعته يغتاب عدوًا له "، قال: " والله هو أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها " (١).
فمهما آمن العبد بما ورد من الأخبار في الغيبة لم يطلق لسانه بها خوفًا من ذلك.