ومن فضائل الصمت أنه يستر العيوب، فقد اجتمع قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي، فقال أحدهما لصاحبه: " كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ "، فقال: " هي أكثر من أن تُحصى، والذي أحصيته ثمانية آلاف عيب، ووجدت خصلة إن استعملها سترت العيوب كلها "، قال: " وما هي؟ "، قال: " حفظ اللسان " (٦).
استر العِيَّ ما استطعت بصمت إن في الصمت راحةً للصمُوت
_________________
(١) " تقدمة الجرح والتعديل " ص (٢٦٦).
(٢) " الصمت " لابن أبي الدنيا ص (٣٠٣) رقم (٧١٣).
(٣) " الزهد " لا بن أبي عاصم رقم (٣٦) ص (٣٠).
(٤) " الصمت " لابن أبي الدنيا رقم (٤٣٥).
(٥) " سير أعلام النبلاء " (٤/ ٣٥٤).
(٦) " الأذكار النووية " ص (٢٨٧).
[ ٥٠ ]
واجعلِ الصمتَ إن عَييتَ جوابًا رُبَّ قولٍ جوابُهُ في السكوت (١)
وقال الأعور الشَّنِّي:
لسانُ الفتى نِصفٌ، ونصفٌ فؤاده فهل بَعْدُ إلا صُورةُ اللحمِ والدَّمِ
وكأيّن ترى من ساكت لك مُعجب زيادتُهُ أو نقصه في التكلمِ (٢)
حُكي عن أبي يوسف الفقيه أن رجلًا كان يجلس إليه، فيطيل الصمت، فقال له أبو يوسف: " ألا تسأل؟ "، قال: " بلى، متى يفطر الصائم؟ "، قال: " إذا غربت الشمس "، قال: " فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟! "، فتبسم أبو يوسف -﵀-، وتمثل ببيتين من الشعر:
عجبتُ لإزراء العيي بنفسه وصمت الذي قد كان بالقول أعلما
وفي الصمت ستر للعيِّ وإنما صحيفةُ لُبِّ المرء أن يتكلما (٣)
فلسان العَييِّ عورة بين الفكين، تحتاج إلى ستر كالسوأتين، لأنه يتكلم، وأذنك تتظلم، وقلبك منه يتألم.