أولويه الاشتغال بعيوب النفس
عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " يبصر أحدكم القذى (١) في عين أخيه (٢)، وينسى الجِذْعَ (٣) في عينه " (٤).
وفيه أن الإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه، فيدركه مع خفائه، فيعمى به عن عيبٍ في نفسه ظاهر، لا خفاء به، ولو أنه اشتغل بعيب نفسه عن التفرغ لتتبع عيوب الناس لكف عن أعراض الناس، وسدَّ الباب إلى الغيبة.
عجبت لمن يبكي على موت غيره دموعًا ولا يبكي على موته دما
وأعجب من ذا أن يرى عيب غيره عظيمًا وفي عينيه عن عيبه عمى
قال الإمام أبو حاتم بن حبان ﵀:
(الواجب على العاقل لزوم السلامة بترك التجسس عن عيوب الناس، مع الاشتغال بإصلاح عيوب نفسه، فإن من اشتغل بعيويه عن عيوب غيره؛ أراح بدنه، ولم يُتعب قلبه، فكلما اطلع على عيب لنفسه هان عليه ما يرى مثله من أخيه. وإنَّ من اشتغل بعيوب النَّاس عن عيوب نفسه عمي قلبه وتعب بدنه،
_________________
(١) القذى: ما يقع في العين والماء والشراب من نحو تراب وتبن ووسخ.
(٢) أي: في الإسلام.
(٣) الجذع: واحد جذوع النخل.
(٤) رواه ابن حبان في " صحيحه " (١٨٤٨)، وأبو نعيم في " الحلية " (٤/ ٩٩)، وصححه الألباني في " الصحيحة " رقم (٣٣).
[ ٣٧ ]
وتعذَّر عليه ترك عيوب نفسه، وإنَّ من أعْجَز الناس من عاب الناس بما فيهم، وأعجز منه من عابهم بما فيه، ومن عاب النَّاس عابوه) (١).
المرء إن كان عاقلًا ورعًا أشغله عن عيوب غيره ورعُهْ
كما العليلُ السقيم أشغله عن وجع الناس كلِّهم وَجَعُهْ
وعن مجاهد عن ابن عباس قال: ذكروا رجلًا، فقال: " إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك؛ فاذكر عيوبك " (٢).
وقال أبو البُحتري العنبري:
يمنعني من عيب غيري الذي أعرفه عندي فوق العيب
عيبي لهم بالظن مني لهم ولست من عيبي في ريب
إن كان عيبي غاب عنهم فقد أحصى عيوبي عالمُ الغيب (٣)
وعن بكر قال: (تسابَّ رجلان، فقال أحدهما: " مُحَلِّمي عنك، ما أعرف من نفسي ") (٤).
قيل للربيع بن خثيم: " ما نراك تغتاب أحدًا "، فقال: " لست عن حالي
راضيًا حتى أتفرغ لذم الناس " (٥)، ثم أنشد:
لنفسيَ أبكي لست أبكي لغيرها لنفسيَ من نفسي عن الناس شاغلُ لقي زاهدٌ زاهدًا، فقال له: " يا أخي إني لأحبك في الله "؛ قال الآخر:
_________________
(١) " روضة العقلاء ونزهة الفضلاء " ص (١٢٥).
(٢) رواه البيهقي في " الشعب " (٥/ ٣١١).
(٣) " طبقات الحنابلة " (١/ ١٩٠).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في " الصمت " رقم (٧٠٨).
(٥) رواه البيهقي في " الشعب " (٥/ ٣١٢).
[ ٣٨ ]
" لو علمتَ مني ما أعلم من نفسي لأبغضتني في الله "؛ قال له الأول: " لو علمتُ منك ما تعلم من نفسك، لكان لي فيما أعلم من نفسي شُغل عن بغضك " (١).
قبيحٌ من الإنسان أن ينسى عيوبه ويذكرَ عيبًا في أخيه قد اختفى
ولو كان ذا عقل لما عاب غيره وفيه عيوبٌ لو رآها قد اكتفى
وعن عون بن عبد الله قال: " لا أحسب الرجل ينظر في عيوب الناس إلا من غفلة، قد غَفَلها عن نفسه " (٢).
وعن محمد بن سيرين ﵀ قال: " كنا نُحَدَّثُ أن أكثر الناس خطايا أفرغُهم لذِكر خطايا الناس " (٣).
وقال الفضيل بن عياض: " ما من أحد أحب الرياسة إلا حسد، وبغى، وتتبع عيوب الناس، وبكره أن يُذكر أحد بخير " (٤).
وقال مالك بن دينار: " كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة، وكفى المرء شرًا أن لا يكون صالحًا، ويقع في الصالحين " (٥).
وقال أبو عاصم النبيل: " لا يذكر الناس بما يكرهون إلا سَفلَةٌ (٦) لا دين لهم ".
_________________
(١) " عيون الأخبار " (٦/ ٣٦٧).
(٢) " الصمت " لابن أبي الدنيا رقم (٧٤٦)، " صفة الصفوة " (٣/ ١٠١).
(٣) " الصمت " ص (١٠٤).
(٤) " جامع بيان العلم " (١/ ١٤٣).
(٥) " صفة الصفوة " (٣/ ٢٨٦)، وانظر " شعب الإيمان " للبيهقي رقم (٦٧٨٠).
(٦) السفلة أو السفلة من الناس: أسافلهم وغوغاؤهم.
[ ٣٩ ]
لا تكشفن مساوي الناس ما ستروا فيهتك الله سِترًا عن مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ولا تعب أحدًا منهم بما فيكا
قال بكر بن عبد الله: " إذا رأيتم الرجل موكَّلًا بعيوب الناس، ناسيًا لعيبه، فاعلموا أنه قد مُكِر به " (١).
وسمع أعرابي رجلًا يقع في الناس، فقال: " قد استدللتُ على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها ".
وأجرأ من رأيت بظهر غيب على عيب الرجال أخو العيوب
آخر:
شر الورى مَن بعيب الناس مشتغلًا مثلُ الذباب يُراعي موضعَ العِلَلِ
وقال ابن السماك: " سَبُعُك بين لحييك، تأكل به كلَّ من مَرَّ عَليك، قد آذيت أهل الدور في الدور حتى تعاطيت أهل القبور، فما ترثي لهم وقد جرى البلى عليهم، وأنت ها هنا تنبشهم، إنما نرى نبشَهم أخْذَ الخِرَق عنهم، إذا ذكرت مساويهم فقد نبشتَهم، إنه ينبغي لك أن يدلَّك على ترك القول في أخيك ثلاثُ خلال: أما واحدة: فلعلك أن تذكره بأمرٍ هو فيك، فما ظنك بربك إذا ذكرتَ أخاك بأمر هو فيك؟
ولعلك تذكره بأمرٍ فيك أعظمُ منه، فذلك أشد استحكامًا لمقته إياك،
_________________
(١) " صفة الصفوة " (٣/ ٢٤٩)، وربما كان ذلك كذلك لأنه يحسب أن إلصاق العيب بغيره ينفي عنه العيب، ويثبت له المروءة، وتقول العرب في مثل هذا: " فلان يتمرَّأ بنا "، والحقيقة أنه يقدح في مروءته، وقد عد السخاوي التحدث بمساوئ الناس من خوارم المروءة، كما في " فتح المغيث " (٢٩١/ ١).
[ ٤٠ ]
ولعللت تذكره بأمرٍ قد عافاك الله منه، فهذا جزاؤه إذ عافاك؟!
أما سمعت: ارحم أخاك، وأحمد الذي عافاك " (١).
إن شئت أن تحيا ودينك سالم وحظك موفورٌ وعِرْضُك صَيِّنُ
لسانك لا تذكر به عورة امرئ فكلك عورات وللناس ألسُنُ
وعينك إن أبدت إليك مساوئًا فصُنْها، وقل: يا عينُ للناس أعين (٢)
وقال أبو عبد الرحمن السلمي -رحمه الله تعالى-: " سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت زاذان المدايني يقول: رأيت أقوامًا من النَّاس لهم عيوب فسكتوا عن عيوب النَّاس: فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب، ورأيت أقوامًا لم تكن لهم عيوب؛ اشتغلوا بعيوب النَّاس: فصارت لهم عيوب " (٣).
وذلك لأن من اغتاب اغتيب، ومن عاب عيب، فبحثه عن عيوب الناس يورث البحث عن عيويه، ولعل في قاعدة " الجزاء من جنس العمل " زاجرًا للذين يخوضون في عيوب الناس، فيكفوا عنها خشية أن يعاملوا بالعدل، فإن البلاء موكَّلٌ بالقول:
لو شاء ربُّك كنتَ أيضًا مثلَهم فالقلبُ بين أصابع الرحمنِ
عن إبراهيم قال: " إني لأرى الشيء مما يعاب، ما يمنعني من غيبته إلا مخافة أن اُبتلى به " (٤).
_________________
(١) " السابق " (٣/ ١٧٦).
(٢) انظر: " شذرات الذهب " (٣/ ٣٥٠).
(٣) " عيوب النفس " ص (١٢).
(٤) رواه هناد في " الزهد " (١١٩٢)، وكذا وكيع فيه (٣١٣).
[ ٤١ ]
وعن الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: " إني لأرى الشيء أكرهه، فما يمنعني أن أتكلم فيه إلا مخافة أن أبتلى بمثله " (١).
وقال ابن مسعود ﵁: " لو سخِرت من كلب، لخشيت أن أكون كلبًا، وإني أكره أن أرى رجلًا فارغًا ليس في عمل آخرة ولا دنيا " (٢).
وقال عمرو بن شرحبيل: " لو رأيت رجلًا يرضع عنزًا فضحكت منه؛ لخشيت أن أصنع مثل الذي صنع ".
قال ابن سيرين: (عَيَّرْتُ رجلًا، وقلت: " يا مفلس "، فأفلست بعد أربعين سنة) (٣).
وعن الحسن قال: " كانوا يقولون: من رمى أخاه بذنب قد تاب منه؛ لم يمت حتى يبتليه الله به " (٤).
وقال الإمام الزهري رحمه الله تعالى: (حدثني عروة أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية، فقضى حاجته، ثم خلا به، فقال: " يا مسور، ما فعل طعنك على الأئمة؟ " قال: " دعنا من هذا وأحسِن "، قال: " لا والله، لتكلّمني بذات نفسك بالذي تعيب علي " قال مسور: " فلم أترك شيئًا أعيبه عليه إلا بينتُ له " قال: " لا أبرأ من الذنب، فهل تعُدُّ لنا يا مسور مانلي من الإصلاح في أمر العامَّة، فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعدُّ الذنوب وتترك
_________________
(١) رواه البيهقي في " الشعب " (٥/ ٣١٥) رقم (٦٧٧٥).
(٢) " سير أعلام النبلاء " (١/ ٤٩٦).
(٣) " صيد الخاطر " ص (٤٤).
(٤) " فيض القدير " (٦/ ١٨٣).
[ ٤٢ ]
المحاسن؟ " قال: " ما تُذكر إلا الذنوب " قال معاوية: " فإنَّا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوبٌ في خاصتك تخشى بأن تهلك إن لم تغفر؟ "، قال: " نعم "، قال: " فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحقَّ مني، فوالله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكن والله لا أُخيَّر بين أمرين، بين الله وبين غيره، إلا اخترتُ الله على ما سواه، وإنِّي على دين يُقبل فيه العمل، ويُجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها "، قال: " فخصمني "، قال عروة: " فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلَّى عليه ") (١).
عن أبي راشد قال: (جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد الله بن عمر، فقال: إني رسولُ إخوانك من أهل البصرة إليك، فإنهم يقرءونك السلام، ويسألونك عن أمر هذين الرجلين: علي وعثمان، وما قولك فيهما؟ فقال: " هل غير؟ " قال: " لا "، قال: " جَهِّزوا الرجل "، فلما فُرغ من جَهازه قال: " اقرأ ﵈، وأخبرهم أن قولي فيهم: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤] (٢).
وعن شريك قال: سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية، فبكى، فندمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه فقال: " إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره " (٣).
وقال الشافعي: (قيل لعمر بن عبد العزيز: " ما تقول في أهل صفين؟ "،
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء " (٣/ ١٥٠ - ١٥١)، (٣٩١ - ٣٩٢).
(٢) " العزلة " للخطابي ص (٤١).
(٣) " حلية الأولياء " (٨/ ١٥).
[ ٤٣ ]
قال: " تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها ") (١).
وقال الرياشي ﵀:
لعمرك إن في ذنبي لَشُغْلًا لنفسي عن ذنوب بني أمَيَّهْ
على ربي حسابهمُ إليه تناهى علم ذلك لا إليَّه
وليس بضائري ما قد أتوه إذا ما الله أصلح ما لديَّه (٢)
وعن الهيثم بن عبيد الصيدلاني قال: (سمع ابن سيرين رجلًا يسب الحجاج، فقال: " مه أيها الرجل! إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن الله ﷿ حَكَم عدل إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه شيئًا فشيئًا، أخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلن نفسك بسبِّ أحد ") (٣).
* * *
_________________
(١) " العزلة " للخطابي ص (٤١).
(٢) " الأذكار النووية " ص (٢٨٨).
(٣) " شعب الإيمان " (٥/ ٢٨٧) رقم (٦٦٨١).
[ ٤٤ ]