ما يجب على من حضر مجلس غيبة
من حق المسلم على أخيه المسلم أن ينصره إذا ظُلِم، وأن يذب عن عرضه إذا خاض فيه منافق أو ظالم لا يخشى يوم الحساب.
عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يَكُفّ عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه " (١).
وعن معاذ بن أنس ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " من حمى مؤمنًا من منافق -أراه قال-: بعث الله مَلَكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم " (٢). الحديث.
وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " من ذَبَّ عن عِرض أخيه بالغيب؛ كان حقًّا على الله أن يُعتقه من النار " (٣).
وعن أنس ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " من نصر أخاه بالغيب
_________________
(١) رواه أبو داود (٢/ ٣٠٤)، والبخاري في " الأدب المفرد " رقم (٢٣٩)، وحسنه الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (٢/ ١٦٠)، وأقره المناوي، وانظر: " السلسلة الصحيحة " رقم (٩٢٦).
(٢) رواه أبو داود رقم (٤٨٨٣)، وحسنه في " صحيح أبي داود " رقم (٤٠٨٦).
(٣) رواه الإمام أحمد (٦/ ٤٦١)، وقال الهيثمي في " المجمع " (٨/ ٩٥): (رواه أحمد والطبراني، وإسناد أحمد حسن) اهـ، وصححه الألبانى في " صحيح الجامع " (٥/ ٢٩٠).
[ ٨١ ]
نصره الله في الدنيا والآخرة " (١).
وعن أبي الدرداء ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " من رد عن عِرض أخيه، ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة " (٢).
وعن جابر بن عبد الله وأبي طلحة ﵃ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " ما من امريء يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تُنتهك فيه حرمتُه، ويُنتقص فيه من عرضه، إِلا خذله الله في موطن يحب نصرته، وما من امريء ينصر مسلمًا في موضع يُنتقص فيه من عرضه، ويُنتهك فيه من حرمته، إِلا نصره الله في موطن يحب نصرته " (٣).
وهذا ما التزمه صحابة رسول الله - ﷺ -، ورضي الله عنهم في حق إخوانهم:
فقد (سمع عمار بن ياسر رجلًا ينال من أم المؤمنين عائشة ﵂، فقال له: " اسكت مقبوحًا منبوحًا، فأشهد أنها زوجة رسول الله - ﷺ - في الجنة "، وفي رواية: " اغرب مقبوحًا أتؤذي محبوبة رسول الله - ﷺ -؟! ") (٤).
وعن كعب بن مالك ﵁ في حديثه الطويل في قصة توبته قال: (قال النبي - ﷺ - وهو جالس في القوم بتبوك: " ما فعل كعب بن مالك؟ "، فقال رجل من بني سلمة: " يا رسول الله، حبِسه بُرْداه والنظرُ في عِطفيه " (٥) -
_________________
(١) عزاه في " السلسلة الصحيحة " رقم (١٢١٧) إلى الدينوري في " المجالسة "، والبيهقي في " الشعب "، والضياء في " المختارة ".
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٤٥٠)، والترمذي (٤/ ٣٢٧)، وحسَّنه، وصححه الألباني في " صحيح الجامع " (٥/ ٢٩٥).
(٣) رواه أبو داود (٤/ ٢٧١)، وأحمد (٤/ ٣٠)، وحسنه الألباني في " صحيح الجامع " (٥/ ١٦٠).
(٤) أخرجه ابن عساكر كما في " الكنز " (٣/ ١١٦)، وابن سعد (٨/ ٦٥).
(٥) وهذا إشارة إلى إعجابه بنفسه.
[ ٨٢ ]
أي جانبيه- فقال معاذ بن جبل ﵁: " بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا "، فسكت رسول الله - ﷺ -) (١) أي سكت مقرًا لإنكار معاذ على من فعل غيبة أو تلبس بها، وتشريعًا لمثله بالرد على المغتاب.
وفي حديث عتبان بن مالك ﵁ قال: (قام النبي - ﷺ - يصلي، فقال: " أين مالك بن الدُّخْشُم؟ "، فقال رجل: " ذلك منافق لا يحب الله ولا رسوله "، فقال النبي - ﷺ -: " لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إِلله إِلا الله، يريد بذلك وجه الله؟! وإِن الله قد حرم على النار من قال: لا إِله إِلا الله يبتغي بذلك وجه الله ") (٢).
وكان بين سعد وخالد ﵄ كلام، فذهب رجل يقع في خالد، ﵁، عند سعد، ﵁، فقال: " مَهْ، إن ما بيننا لم يبلغ ديننا " (٣).
عن ابن عون قال: " كانوا إذا ذكروا عند محمد -أي ابن سيرين- رجلًا بسيئة، ذكره هو بأحسن ما يعلم " (٤).
قال الإمام النووي ﵀: (اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها، ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق، أو من أهل الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر) (٥) اهـ.
_________________
(١) رواه البخا ري (٥/ ١٣٠)، ومسلم (٤/ ٢١٢٢)، وأحمد (٣/ ٤٥٧).
(٢) رواه البخاري (رقم ٤٢٥) (١/ ٥١٩) -فتح، ومسلم رقم (٣٣) (١/ ٦١)، وغيرهما، وانظر: " الإحسان " لابن بلبان (١/ ٤٥٨).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في " الصمت " رقم (٢٤٦)، وأبو نعيم في " الحلية " (١/ ٩٤).
(٤) " السير " (٤/ ٦٢٠).
(٥) " الأذكار النووية " ص (٢٩٤).
[ ٨٣ ]
ذكر عن إبراهيم بن أدهم أنه دُعي إلى طعام، فلما جلس؛ قالوا: " إن فلانًا لم يجيء "، فقال رجل منهم: " إن فلانًا رجل ثقيل "، فقال إبراهيم: " إنما فعل هذا بي بطني حين شهدت طعامًا اغتبت فيه مسلمًا "، فخرج، ولم يأكل ثلاثة أيام (١).
إن غيبة المسلم ظلم وتعدّ لحدود الله ﷿، وقد قال تعالى: (وَمَن ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٩]، ومحاصرةً لهؤلاء الظالمين؛ نهت الشريعة عن الركون إليهم: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] وعن معاشرتهم ومساكنتهم والقعود معهم: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (إذا حضرت أمرًا ليس بطاعة الله، ولا تقدر أن تنهى عنه فتنح عنهم، واتركهم لقول رسول الله - ﷺ -: " لا يمنعن رجلًا هيبةُ الناس أن يقول بحق إِذا علمه، أو شهده، أو سمعه " (٣» (٤) اهـ.
وغيبة المسلم من اللغو القبيح الذي يتنزه المؤمنون عن حضور مجالسه
_________________
(١) راجع حاشية رقم (١) ص (٧٦).
(٢) فاحذر أيها المكلف أولئك " اللحميين " الذين يستنكفون عن قبول النصيحة لهم بترك الغيبة، وينتحلون المعاذير ليسوغوا أكل لحوم الناس، ويتسترون وراء ترخيص الشريعة في ذكر مساويء بعض الناس في حالات خاصة، وما بالقوم حاجة إلى الرخصة، وإنما هم يستوحشون ممن لا يشاركهم، وينكر عليهم، فيحرصون على إزالة تلك الوحشة بمحاولة تسويغ الغيبة كي يونسهم بموافقتهم ومشاركتهم، وأولئك من " الظالمين " الذين سمى الله؛ فاحذرهم.
(٣) رواه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الإمام أحمد (٣/ ٨٤)، والترمذي رقم (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٧)، وابن حبان في " صحيحه " رقم (٢٧٨)، والبيهقي في " السنن " (١٠/ ٩٠)، وصححه الألباني في " الصحيحة " رقم (١٦٨).
(٤) انظر: " المدخل " لابن الحاج (٢/ ٣١٣).
[ ٨٤ ]
والإنصات إليه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: ٣]،
وقال ﷿: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، وقال جل
وعلا: وَإِذَا ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
* * *
[ ٨٥ ]