الأدب مع العلماء
إن التأدب مع العلماء الموقعين عن رب العالمين هو تأدب مع الله تعالى، وتعظيم العلماء تعظيم لشعائر الله، وقد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢] و" الشعيرة " هي كل ما أشعر الله بتعظيمه من أعلام الدين، وتوقير حملة الشرع وحماته من توقير الشارع نفسه ﷿؛ قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]، قال سعيد بن جبير: " ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته "، وكل ما يشرف بالإضافة إلى الله ﷿ فإن حقه التعظيم، قال سعيد بن المسيب ﵀: " لا تقولوا: مُصَيْحِف، ولا مُسَيْجِد، ما كان لله فهو عظيم حسنٌ جميل " (١).
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال:
قال - ﷺ -: " ليس منا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرفْ لعالمنا حقَّه " (٢).
وقال الإمام ابن حزم ﵀:
" اتفقوا على توقير أهل القرآن والإسلام والنبي - ﷺ -، وكذلك الخليفة
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء " (٤/ ٢٣٨).
(٢) رواه الإمام أحمد (٥/ ٣٢٣)، والحاكم (١/ ١٢٢)، وحسنه الألباني في " صحيح الجامع " رقم (٥٣١٩).
[ ١٩٧ ]
والفاضل والعالم " (١).
وقد بلغ أمر تعظيم العلماء، ووجوب صيانة تاريخ أكابر المسلمين إلى حَدِّ النص عليه في متون " الاعتقاد " التي لا تضم إلا أمهات قضايا العقيدة المتفق عليها عند أهل السنة، بحيث لا يخالف فيها إلا شاذ خارج عن الجماعة، قال الإمام الطحاوي في " عقيدته " المشهورة:
" وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يُذْكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير سبيل ".
قال شارحه ﵀: " قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فيجب على كل مسلم -بعد موالاة الله ورسوله- موالاةُ المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم؛ إذ كل أمة قبل مبعث محمد - ﷺ - علماؤها شرارها، إلا المسلمين؛ فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمُحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا " (٢) اهـ.