فليكن الأصل هو الصمت، إذ يكفي في فضل الصمت كونه أقوى وسيلة وقائية من الغيبة وأخواتها من آفات اللسان، والسلامة لا يعدلها شيء إلا مَن تيقن مِن حصول الغنيمة بالكلام.
رُويَ عن أم حبيبة زوج النبي - ﷺ - قالت: قال رسول الله - ﷺ -: " كلُّ كلامِ ابنِ آدمَ عليه، لا له، إِلا أمرٌ بمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو ذكرٌ لله " (٤).
_________________
(١) " الصمت " ص (٣٠٠).
(٢) " السابق " ص (٧٢).
(٣) " أدب الدنيا والدين " ص (٢٦٦).
(٤) رواه الترمذي رقم (٢١٤٢)، وقال: " هذا حديث حسن غريب "، وابن ماجه (٣٩٧٤)، وضعفه الألباني.
[ ٥١ ]
قال الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀:
(الكلام بالخير أفضل من السكوت، لأن أرفع ما في السكوت السلامة، والكلام بالخير غنيمة، وقد قالوا: " من تكلم بالخير غنم، ومن سكت سلم "، والكلام في العلم أفضل من الأعمال، وهو يجري عندهم مجرى الذكر والتلاوة إذا أريد به نفي الجهل، ووجهُ الله تعالي، والوقوف على حقيقة المعاني) (١) اهـ.
وقيل لإياس بن معاوية: " إنك تكثر الكلام "، فقال: " أفبصواب أتكلم أم بخطأ؟ "، قالوا: " بصواب "، قال: " فالإكثار من الصواب أفضل " (٢).
وقال سعيد بن عبد العزيز: " لا خير في الحياة إلا لأحد رجلين: صموت واع، وناطق عارف " (٣).
وعن يونس قال: " رحم الله الحسن، إني لأحسِب الحسن تكلم حِسبة، رحم الله محمدًا، إني لأحسبه سكت حسبة " (٤).
وعن إسماعيل بن أمية قال: " كان عطاء يطيل الصمت، فإذا تكلم يخيل إلينا أنه يُؤَيَّد " (٥).
وقال الإمام النووي ﵀: (اعلم أنه ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلامُ
_________________
(١) " جامع بيان العلم وفضله " (١/ ٥٥١).
(٢) " الصمت " لابن أبي الدنيا رقم (٧١٦) ص (٣٠٣ - ٣٠٤).
(٣) " سير أعلام النبلاء " (٨/ ٣٦).
(٤) " السابق " (٦/ ٢٩٤).
(٥) " الزهد " لابن أبي عاصم رقم (١٥) ص (٢٣)، و" الحلية " (٣/ ٣١٣).
[ ٥٢ ]
وتركُه في المصلحة، فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد ينجرُّ الكلامُ المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة (١) لا يعدلها شيء.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصْمُت " متفق عليه، وهذا الحديث صريح في أنه ينبغي أن لا يتكلم إلا إذا كان الكلامُ خيرًا، وهو الذي ظهرت مصلحته، ومتى شك في ظهور المصلحة فلا يتكلم) (٢) اهـ.
وقد قال الإمام الشافعي ﵀: " إذا أراد الكلام فعليه أن يفكر قبل كلامه، فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى تظهر) " (٣) اهـ.
وقال رجل لسلمان الفارسي ﵁: (" أوصني "، فقال: " لا تتكلم!! "، قال: " ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم، قال: " فإن تكلمت فتكلم بحق أو اسكت ") (٤).
قال مرةً رجل: " ما أشدَّ البرد اليوم! " فالتفت إليه المعافى بن عمران، وقال: " استدفأت الآن؟! لو سكتَّ؛ لكان خيرًا لك " (٥).
وقال أبو بكر محمد بن القاسم: (كان شيخنا أبو إسحاق -الشيرازي- إذا أخطأ أحد بين يديه، قال: " أيُّ سكتةٍ فاتتك؟ ") (٦).
_________________
(١) السلامة هي البراءة من العيوب كما في " القاموس "، وهي من الكلمات الجوامع، فإن من سلم نجا، فهي قريبة من العافية، ولذا تكون دعوة الرسل عند مرور الناس على الصراط: " اللهم سلم سلم "، وكان بعض السلف يدعو في الفتنة: " اللهم سلمنا، وسلم منا "، وقال الشاعر: وقائلة لي مالي أراك مُجَنبا أمورًا وفيها للتجارة مربحُ فقلت لها: كفي ملامك واسمعي فنحن أناسٌ بالسلامة نفرحُ
(٢) " رياض الصالحين " مع " دليل الفالحين " (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨).
(٣) " الأذكار النووية " ص (٢٨٤).
(٤) " جامع العلوم والحكم " ص (١٦٢).
(٥) " السير " (٩/ ٨٤).
(٦) " السير " (١٨/ ٤٥٥).
[ ٥٣ ]
وقد وصف إمام المحدثين بالبصرة عبد الرحمن بن مهدي حال السلف، فقال: " أدركتُ الناسَ وهم على الجُمَل " قال الإمام أحمد ﵀ معقبًا: " يعني: لا يتكلمون، أي. ولا يخاصمون، إنما هي جمل يسيرة بحروف معدودة، تقليلًا من الكلام حتى في المباح، وإبعادًا لاحتمالات الزلل عند الإكثار " (١).
وقالت الحكماء: " مثل الكلمة كالسهم لا يمكن رده، وإنما جُعل للإنسان لسان واحد وأذنان حتى يكون ما يسمع أكثر مما يتكلم، وهو على ردِّ ما لم يقل أقدر منه على رد ما قد قال " (٢).
* * *
_________________
(١) " فضائح الفتن " ص (٣٢).
(٢) " الرسالة المغنية في السكوت ولزوم البيوت " للإمام أبي علي الحسن بن البنا ص (٢٨).
[ ٥٤ ]