لقد ربط الإسلام المسلم بأخيه حتى صارا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، (فربْطُ الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك، كما جاء في الحديث عن النبي - ﷺ -: " إِن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إِذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " (١)، ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس، وإرادة الأخ تنبيهًا على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كقوله تعالى:: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، أي: لا تخرجون إخوانكمِ، وكقوله تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢]، أي: بأخوانهم على أصح التفسيرين، وقوله ﷿: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أي: إخوانكم على أصح التفسيرين، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات، ولذلك ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (١٠/ ٤٣٨) رقم (٦٠١٢)، ومسلم رقم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير ﵄.
(٢) رواه من حديث أنس بن مالك ﵁ البخاري (١/ ٥٦) رقم (١٣)، ومسلم رقم (٤٥)، والنسائي (٨/ ١١٥)، والترمذي رقم (٢٥١٧)، وابن ماجه رقم (٦٦).
[ ١٨٣ ]
ومن الآيات الدالة على أن الرابطة الحقيقية هي الدين، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية، قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]؛ إذ لا رابطة نسبية أقرب من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة: ٧١]، وقوله: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] الى غير ذلك من الآيات.
إن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق، وتؤلف المختلف هي رابطة " لا إله إلا الله "، ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كانه جسد واحد، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضًا؛ عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم فيِ الأرضِ مع ما بينهم من الاختلاف، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ُ ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر ٧: ٩].
فقد أشار تعالى إلى أن الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله، وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم إنما هي الإيمان بالله جل وعلا، لأنه قال عن الملائكة: ﴿وَيُؤْمِنُون بِه﴾ فوصفهم بالإيمان، وقال عن بني آدم في استغفار الملائكة لهم: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فوصفهم أيضًا بالايمان، فدل ذلك على أن الرابطة بينهم هي الإيمان، وهو أعظم رابطة.
ومما يوضح ذلك قوله تعالى في أبي لهب عم النبي - ﷺ -: (سيصلى نارًا
[ ١٨٤ ]
ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣]، ويُقابَلُ ذلك بما لسلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النبي - ﷺ - والمسلمين، ولقد أجاد من قال:
لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ وقد وضع الكفرُ الشريفَ أبا لهب
وقد أجمع العلماء على أن الرجل إن مات، وليس له من الأقرباء إلا ابن كافر؛ أن إرثه يكون للمسلمين بأخوة الإسلام، ولا يكون لولده لصلبه الذي هو كافر، والميراث دليل القرابة، فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من البنوة النسبية) (١).
واعتبر ذلك أيضًا بقول الله تعالى مخاطبًا نوحًا ﵇ في شأن ابنه الكافر: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، لأن مدار الأهلية هو القرابة الدينية، كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: " ألا وإن وليَّ محمد من أطاع الله، وإن بعدت لُحْمَتُهُ، ألا وان عدو محمد من عصى الله، وإن قربت لحمته " (٢).
كان الحافظ ابن حجر ﵀ يقرأ أجزاء على شيخه إبراهيم بن داود الآمدي برهان الدين، فقال في قراءته عليه تأدبًا: " أخبركم -رضي الله عنكم وعن والديكم- .. "، فنظر إليه الآمدي منكرًا، وقال: " ما كان على الإسلام (٣)! " (٤).
لقد علمنا رسول الله - ﷺ - أنه يجب موالاة كل مسلم بحسب موالاته لله ورسوله والمؤمنين، وأنه يُحب ويوالي بقدر نصرته للمؤمنين، ونكايته في أعداء
_________________
(١) بتصرف من " أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن " (٣/ ٤٠١ - ٤٠٨).
(٢) انظر: " محاسن التأويل " للقاسمي (٩/ ٣٤٤٨ - ٣٤٤٩).
(٣) لأن أباه مات على النصرانية وهو صغير، فحمله وصيه الشيخ عبد الله الدمشقي إلى مجلس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فأسلم عليه.
(٤) " الدرر الكامنة " (١/ ٢١).
[ ١٨٥ ]
الدين:
فعن أبي بَرْزَة الأسلمي ﵁ أن النبي - ﷺ - (كان في مَغْزًى له (١)، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: " هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: " نعم، فلانًا، وفلانًا، وفلانًا "، ثم قال: " هل تفقدون من أحد؟ "، قالوا: " نعم، فلانًا وفلانًا وفلانًا "، ثم قال: " هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: " لا "، قال: " لكني أفقد جُلَيبيبًا، (٢) فاطلبوه "، فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتى النبيُّ - ﷺ - فوقف عليه، فقال: " قتل سبعة، ثم قتلوه، هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه " (٣)، قال: فوضعه على ساعديه، ليس له سرير إلا ساعدا النبي - ﷺ -، قال: فحفر له، ووضع (٤) في قبره، ولم يذكر غسلًا (٥» (٦).
وعن ثابتٍ البُنانيِّ عن أنس ﵁ قال: (خطب النبي - ﷺ - على جليبيب امرأة من الأنصار، فقال (٧): " حتى أستأمر أمها "، فقال النبي - ﷺ -: " فنعم إذًا "، فانطلق الرجل إلى امرأته، فذكر ذلك لها، فقالت: " لا ها الله (٨) إذًا ما وجد رسول الله - ﷺ - إلا جليبيبًا (٩)، وقد منعناها من فلان وفلان؟ "، قال:
_________________
(١) أي في سفر غزو له، أي: وفيمن معه جليبيب.
(٢) جُلَيبيب: تصغير جلباب.
(٣) ومعناه المبالغة في اتحاد طريقهما، واتفاق ما في طاعة الله تعالى، عكس قوله - ﷺ -: " من رغب عن سنتي فليس مني ".
(٤) وفي رواية: " ثم وضعه في قبره ".
(٥) لأن الشهيد لا يغسل، ولا يصلى عليه.
(٦) رواه الإمام أحمد (٤/ ٤٢١)، ومسلم رقم (٢٤٧٢).
(٧) أي: أبوها.
(٨) أي: هذا يميني، و" لا " لنفى كلام الرجل، و" ها " بالمد والقصر بمعنى واو القسم، ولفظ الجلالة مجرور بها.
(٩) " إذًا ما وجد " إلخ هو جواب القسم، قالت ذلك؛ لأن جليبيبًا كان في وجهه دمامة.
[ ١٨٦ ]
والجارية في سِترها تستمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي - ﷺبذلك، فقالت الجارية: " أتريدون أن تردوا على رسول - ﷺ - أمره (١)؟ إن كان قد رضيه لكم؛ فانكحوه، فكأنها جلت (٢) عن أبويها، وقالا: " صدقت "، فذهب أبوها إلى النبي - ﷺ -، فقال: " إن كنت قد رضيته؛ فقد رضينا "، قال: " فإني قد رضيته "، فزوجها، ثم فزع (٣) أهل المدينة، فركب جليبيب، فوجدوه قد قُتل، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس: " فلقد رأيتها، وإنها لمن أنفق (٤) بيت في المدينة ").
وفي رواية قال ثابت: " فما كان في الأنصار أيِّم أنفقُ منها " (٥) وحدث إسحاقُ بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا قال هل تعلم ما دعا لها رسول الله - ﷺ - قال: " اللهم صُبَّ عليها الخير صبًّا، ولا تجعل عيشها كدًّا كدًّا " (٦)، قال:
_________________
(١) وفي رواية: " ادفعوني إليه؟ فأنه لم يُضَيِّعْني ".
(٢) جَلَتْ: كشفت وأوضحت أمرًا خفي عليهما، لأن النبي - ﷺ - ﴿أَولَى ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِم﴾ [الأحزاب: ٦]، ولقوله تعالى: (﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقوله ﷿: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
(٣) أي: أخافهم العدو.
(٤) أنفق: من النَّفاق -بفتح النون المشددة- وهو ضد الكساد، والمعنى أنها كانت أعظم امرأة أيِّم في بيوت المدينة يتسابق إليها الخُطَّاب بعد قتل جليبيب، وذلك ببركة كونها رضيت بنكاح جليبيب الذي كان ينفر منه الناس، ويبركة دعاء النبي - ﷺ - لها.
(٥) رواه الإمام أحمد (٤/ ٤٢٢).
(٦) الكد: الشدة والضيق.
[ ١٨٧ ]
" فما كان في الأنصار أيم (١) أنفقُ منها ".
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: " إن الأشعريين إذا أرملوا (٢) في الغزو، أو قل طعام عيالهم في المدينة؛ جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني (٣)، وأنا منهم " (٤).
هكذا لقَّن رسول الله - ﷺ - أمته هذا المعيار الدقيق للولاء والانتماء، وفي الجانب المقابل لقنهم معيار البراء في مثل قوله - ﷺ -: " ليس منا من دعا إِلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية " (٥)، وقوله - ﷺ -: " ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى " (٦) الحديث.
* وكان أولى الناس بالتزام هذا المعيار العلماء الذين هم ورثته - ﷺ -، فكانوا يزنون الأشخاص، ويحددون أقدارهم تبعًا لمقدار نفعهم للإسلام وأهله،
_________________
(١) الأيم: المرأة التي ليس لها زوج بكرًا كانت أو ثيبًا.
(٢) أرمل القوم: إذا فني زادهم ونَفِد، وأصله من الرمل، كأنهم لصقوا بالرمل من القلة، كما قيل في (ذَا مَتربَة) (البلد: ١٥) - اهـ. من " فتح الباري " (٥/ ١٣٠).
(٣) أي هم متصلون بي، وتسمى " من " هذه الاتصالية، كقوله: " لست من دَدٍ " ﴿انظر: " السلسلة الضعيفة " رقم (٢٤٥٣)﴾، والدد: اللهو واللعب.
(٤) رواه البخاري (٥/ ١٢٨) رقم (٢٤٨٦)، ومسلم رقم (٢٥٠٠).
(٥) أخرجه أبو داود رقم (٥١٢١)، من حديث جبير بن مطعم رضمي الله عنه، وإسناده ضعيف، ويشهد له ما رواه مسلم برقمي (١٨٥٠)، (١٨٤٨).
(٦) رواه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الترمذي رقم (٢٦٩٦)، وقال الحافظ في " الفتح ": " في سنده ضعف ".
[ ١٨٨ ]
ونكايتهم لأعداء الإسلام وأهله، وكانت رقعة محبتهم للشخص تتسع بقدر محبته لله ورسوله - ﷺ -، فإن من أحب رسول الله - ﷺ - أحبَّ خُدَّامه وأصحابه، وأحب حملة العلم والقرآن.
حكى ابن كثير في تاريخه: (أن أبا محمد البربهاري الحنبلي -العالم الزاهد الفقيه- عطس يومًا وهو يعظ، فشمته الحاضرون، ثم شمته من سمعهم، حتى شمته أهل بغداد، فانتهت الضجة إلى دار الخلافة) (١).
وقال أبو حاتم الرازيُّ: " ما رأيت أحدًا أعظم قدرًا من أبي مسهر، كنتُ أراه إذا خرج إلى المسجد، اصطفَّ الناسُ يسلمون عليه، ويقبلون يده " (٢).
وقال المروذي: (قدم رجل من طرَسُوس، فقال: كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليل؛ رفعوا أصواتهم بالدعاء: " ادعوا لأبي عبد الله ") (٣)، يعني الإمام أحمد بن حنبل ﵀.