قال طاووس بن كيسان: " إن من السنة أن تُوَقِّر العالم " (١).
وعن الحسن قال: رُئيَ ابن عباس يأخذ برِكاب أبيّ بن كعب، فقيل له: " أنت ابنُ عَمِّ رسول الله - ﷺ - تأخذ بركاب رجل من الأنصار؟ "، فقال: " إنه ينبغي للحَبْر أن يُعَظَّمَ ويُشَرَّفَ " (٢).
وعن الشعبي قال: (صلَّى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: " خَلِّ عنك يا ابن عم رسول الله "، فقال ابن عباس: " هكذا يُفعل بالعلماء والكبراء ").
وفي رواية عنه قال: (أمسك ابن عباس بركاب زيد بن ثابت، فقال: " أتمسك لي وأنت ابنُ عم رسول الله - ﷺ -؟ " قال: " إنا هكذا نصنع بالعلماء " (٣).
وعن ابن عباس ﵄ قال: (مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن حديث ما منعني منه إلا هيبتُه، حتى تخلَّف في حجة أو عمرة في الأراك الذي ببطن " مر الظهران " لحاجته، فلما جاء وخلوتُ به؛ قلت: " يا أمير المؤمنين! أريد أن أسألك عن حديث منذ سنتين، ما منعني إلا هيبة لك "، قال: " فلا تفعل، إذا أردت أن تسألني فسلني، فإن كان عندي منه أخبرتك، وإلا قلتُ: لا أعلم، فسألتَ من يعلم "، قلت: " من المرأتان اللتان ذكرهما الله تعالى أنهما تظاهرتا على رسول الله - ﷺ -؟ " قال: " عائشة وحفصة " الحديث (٤).
_________________
(١) " جامع بيان العلم " (١/ ٤٥٩).
(٢) " الجامع " للخطيب (١/ ١٨٨).
(٣) " الجامع " للخطيب (١/ ١٨٨).
(٤) " جامع بيان العلم " (١/ ٤٥٦).
[ ٢٠٣ ]
وعن الليث قال: " كان سعيد بن المسيب يركع ركعتين، ثم يجلس، فيجتمع إليه أبناء أصحاب رسول الله - ﷺ - من المهاجرين والأنصار، لا يجترئ أحد منهم أن يسأله عن شيء إلا أن يبتدئهم بحديث، أو يجيئه سائل فيسأل، فيسمعون " (١).
وعن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي قال: " ما كان إنسان يجترئ على سعيد بن المسيب يسأله عن شيء حتى يستأذنه كما يُستأذَنُ الأمير " (٢).
وعن محمد بن سيرين قال: " رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأصحابه يعظمونه، ويُسَوِّدونه، ويُشَرِّفونه مثل الأمير " (٣).
وقال الأعمش ﵀: " كنا نهاب إبراهيم كما يُهاب الأمير " (٤).
وعن أبى عبد الله المُعَيطي قال: (رأيت أبا بكر بن عياش بمكة، فأتاه سفيان ابن عيينة، فبرك بين يديه، فجعل أبو بكر يقول له: " يا سفيان كيف أنت؟ يا سفيان كيف عيال أبيك؟ "، قال: فجاء رجل يسأل سفيان عن حديث، فقال سفيان: " لا تسألني ما دام هذا الشيخ قاعدًا ") (٥).
وعن الحسن بن علي الخلال قال: (كنا عند مُعْتَمر بن سليمان يحدثنا، إذ أقبل ابن المبارك، فقطع معتمر حديثه، فقيل له: " حَدثنا "، فقال: " إنا لا نتكلم عند كُبَرائنا ") (٦).
أما مجالسهم فقد قال أحمد بن سنان:
_________________
(١) " الجامع " للخطيب (١/ ٤٠٠).
(٢) " السابق " (١/ ١٨٤).
(٣) " الجامع " للخطيب (١/ ١٨٢).
(٤) " تذكرة الحفاظ " (١/ ٧٤).
(٥) " الجامع " للخطيب (١/ ٣٢٠).
(٦) " السابق " (١/ ٣٢١).
[ ٢٠٤ ]
" كان عبد الرحمن (ابن مهدي) لا يتحَدَّث في مجلسه، ولا يبرى قلمٌ، ولا يقوم أحد كأنما على رؤوسهم الطير، أو كأنهم في صلاة " (١).
وعن أبي عاصم قال: " كنا عند ابن عون -وهو يحدِّث- فمَرَّ بنا إبراهيم بن عبد الله بن حسن في موكبه، -وهو إذ ذاك يُدْعَى إمامًا بعد قتل أخيه محمد- فما جسر أحد أن يلتفت، فينظر إليه، فضلًا عن أن يقوم، هيبةً لابن عَوْن " (٢).
وأنشد الأزدي (٣):
وقِّر مشائخَ أهلِ العلمِ قاطبةً حتى تُوَقَّرَ إن أفضى بك الكِبَرُ
واخدم أكابرهم حتى تنال به مِثلًا بمثلٍ إذا ما شارف العُمُرُ
عن حرملة قال: سمعت الشافعي يقول -وذُكر له أصحاب الحديث، وأنهم لا يستعملون الأدب- فقال: " ما أعلم أني أخذت شيئًا من الحديث ولا القرآن أو النحو أو غير ذلك من الأشياء، مما كنت أستفيد؛ إلا استعملتُ فيه الأدب، وكان ذلك طبعي إلى أن قدمت المدينة، فرأيت من مالك ما رأيت من هيبته وإجلاله العلم، فازددتُ من ذلك، حتى ربما كنت أكون في مجلسه، فأصفِّح الورقة تصفحًا رفيقًا هيبةً له لئلا يسمع وقعها " (٤).
وعن الربيع بن سليمان قال: " والله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليَّ هيبةً له " (٥).
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ " (١/ ٣٣١).
(٢) " الجامع " للخطيب (١/ ١٨٥).
(٣) " أدب الإملاء والاستملاء " للسمعاني ص (١٣٦).
(٤) " توالي التأسيس بمعالي ابن إدريس " ص (١٥٣).
(٥) " مناقب الشافعي " للبيهقي (٢/ ١٤٥).
[ ٢٠٥ ]
وقال الإمام أحمد ﵀: " لزمت هُشَيْمًا أربع سنين ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له " (١).
قال عبدوس: " رآني أبو عبد الله يومًا وأنا أضحك، فأنا أستحييه إلى اليوم ".
وفي ترجمة إبراهيم بن أبي طالب، قال الإمام أحمد بن إسحاق الفقيه:
" ما رأيت في المحدثين أهيب من إبراهيم بن أبي طالب، كنا نجلس كأن على رؤوسنا الطير، لقد عطس أبو زكريا العنبري فأخفى عُطاسَه، فقلت له سِرًّا: " لا تخف! فلست بين يدي الله ") (٢).
قال أبو زكريا العنبري: " شهدت جنازة حسين القباني سنة (٢٨٩) فصلى عليه أبو عبد الله -يعني البوشنجي (٣) - فلما انصرف قدمت دابته، فأخذ أبو عمرو الخفاف بلجامه، وابن خزيمة -إمام الأئمة- بركابه، والجارودي، وإبراهيم بن أبى طالب يسويان عليه ثيابه، فمضى، ولم يكلم واحدًا منهم " (٤).
وعن الإمام أبي حازم الأعرج رحمه الله تعالى قال: " لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيهًا، أدنى خصلة فينا التواسي بما في أيدينا، وما رأيت في مجلسه متماريين، ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا " (٥).
وقال إسحاق الشهيد: (كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند إلى
_________________
(١) " تذكرة الحفاظ " (١/ ٢٤٩).
(٢) " السابق " (٢/ ٦٣٨).
(٣) محمد بن إبراهيم بن سعيد، شيخ أهل الحديث في عصره.
(٤) " تهذيب التهذيب " (٩/ ٩).
(٥) " سير أعلام النبلاء " (٥/ ٣١٦).
[ ٢٠٦ ]
أصل منارة مسجد، فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، يستمعون الحديث، وهم قيام على أرجلهم، إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لأحد منهم: " اجلس "، ولا يجلسون هيبة وإعظامًا) (١).
وقال البخاري: " ما رأيت أحدًا أوقر للمحدثين من يحيى بن معين ".
وقال عبد الرحمن بن واقد: " رأيت باب مالك بالمدينة كأنه باب الأمير " (٢).
عن أبي عبد الله يحيى بن عبد الملك الموصلي قال: " رأيت مالك بن أنس غير مرة، وكان بأصحابه من الإعظام له والتوقير له ..، وإذا رفع أحد صوته؛ صاحوا به " (٣).
قال أبو مصعب: (كانوا يزدحمون على باب مالك حتى يقتتلوا من الزِّحام، وكنا إذا كنا عنده لا يلتفت ذا إلى ذا، قائلون برؤوسهم هكذا، وكانت السلاطين تهابه، وكان يقول: " لا "، و" نعم "، ولا يقال له: " من أين قلت ذا؟ " «٤).
قال ابن الخياط يمدح مالك بن أنس (٥):
يَدَعُ الجوابَ فلا يُراجَعُ هيبةً والسائلون نواكِسُ الأذقانِ
نورُ الوقار وعِزُّ سلطان التقى فهو المهيبُ وليس ذا سلطانِ
_________________
(١) " مناقب الإمام أحمد " لابن الجوزي ص (٨٣).
(٢) " تذكرة الحافظ " (١/ ٢٠٨).
(٣) " الجامع " للخطيب (١/ ١٨٢).
(٤) " سير أعلام النبلاء " (٨/ ١١١).
(٥) " الجامع " للخطيب (١/ ١٨٥).
[ ٢٠٧ ]