قال الإمام القرطبي ﵀: " لا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن من اغتاب أحدًا عليه أن يتوب إلى الله ﷿ " (٥) اهـ.
وقال الفقيه الشافعي ابن حجر الهيتمي ﵀: (كل منهما -أي الغيبة
_________________
(١) رواه أبو الشيخ في " التوبيخ والتنبيه " برقمي (١٨٨، ١٨٩)، وابن أبي الدنيا في " الصمت " رقم (٢٠٥)، وفيه المثنى بن الصباح، ضعيف، والحديث حسنه المنذري في " الترغيب " (٥٠٦/ ٣).
(٢) " الذريعة " ص (١٤٢).
(٣) " النهاية في غريب الحديث " (٣/ ٣٩٩).
(٤) " الأذكار النووية " ص (٢٨٨) بتصرف.
(٥) " الجامع لأحكام القرآن " (١٦/ ٣٣٧).
[ ١٨ ]
والنميمة- حرام بالإجماع، وإنما الخلاف في الغيبة: هل هي كبيرة أو صغيرة؟، ونُقِل الإجماع على أنها كبيرة، وقال أخرون: " محله إن كانت في طلبة العلم، وحملة القرآن، وإلا كانت صغيرة ") (١) اهـ.
وعن جابر ﵁ قال: (كنا عند النبي - ﷺ - فهبَّت ريح مُنْتنَة، فقال رسول الله - ﷺ -: " أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين ") (٢).
وعن عائشة ﵂، قالت: (قلت للنبي - ﷺ -: " حسبك من صفية كذا وكذا "، قال بعض الرواة: تعني أنها قصيرة، فقال: " لقد قلتِ كلمة لو مُزِجت بماء البحر لمزجته ") (٣).
_________________
(١) تطهير العيبة من دنس الغيبة " ص (٤٥)، وانظر: " مغني المحتاج " (٤/ ٤٢٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٣٥١)، والبخاري في " الأدب المفرد " (٧٣٢)، وابن حبان في " الثقات " (٢/ ٧٢)، وقال الهيثمي في " المجمع ": " رواته ثقات " (٨/ ٩١)، وحسنه الحافظ في " الفتح " (١٠/ ٤٧٠)، وحسنه الألباني في " غاية المرام " رقم (٤٢٩)، وللحديث طريق أخرى عند البخاري في " الأدب المفرد " بسنده عن جابر بلفظ: (هاجت ريح منتنة على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: " إِن ناسًا من المنافقين اغتابوا أناسًا من المسلمين، فبعثت هذه الريح لذلك ") قال الألباني: " إسناده جيد على شرط الصحيح " اهـ. فائدة: قيل لبعضهم: " ما الحكمة في أن ريح الغيبة ونتنها كانت تتبين على عهد رسول الله - ﷺ -، ولا تتبين في يومنا هذا؟ ". قال: " لأن الغيبة كثرت في يومنا، فامتلأت الأنوف منها، فلم تتبين الرائحة، وهي النتن، ويكون مثال هذا، مثال رجل دخل دار الدباغين، لا يقدر على القرار فيها من شدة الرائحة، وأهل تلك الدار يأكلون فيها الطعام، ويشربون الشراب، ولا تتبين لهم الرائحة، لأنه قد امتلأت أنوفهم منها، كذلك أمر الغيبة في يومنا هذا " اهـ. من " تنبيه الغافلين " (١/ ١٧٥) للسمرقندي.
(٣) أخرجه الامام أحمد (٦/ ١٨٦، ٢٠٦)، وأبو داود (٤٨٧٥)، والترمذي (٢٥٠٢)، وابن أبي الدنيا في " الصمت " رقم (٢٠٦)، وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
[ ١٩ ]
وعن أبي برزة الأسلمي والبراء بن عازب ﵄ قالا: (قال رسول الله - ﷺ -: " يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإِيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإِنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف بيته ") (١).
وعن أبي بكرة ﵁ قال: (بينما أنا أماشي رسول الله - ﷺ -، وهو آخذ بيدي، ورجل على يساره، فإذا نحن بقبرين أمامنا، فقال رسول الله - ﷺ -: " إِنَّهما ليُعذبان، وما يعُذبان في كبير (٢) وبلى! (٣) فأيكم يأتيني بجريدة؟ "، فاستبقنا فسبقتُه، فأتيته بجريدة، فكسرها نصفين، فألقى على ذا القبر قطعة، وعلى ذا القبر قطعة، قال: " إِنه يهوَّن عليهما ما كانتا رطْبَتَيْن، وما يعذبان إِلا في الغيبة والبول ") (٤).
_________________
(١) رواه من حديث أبي برزة ﵁ الإمام أحمد (٤/ ٤٢٠)، وأبو داود (٤٨٨٠)، والبيهقي (١٠/ ٢٤٧)، ورواه من حديث البراء بن عازب ﵁ أبو يعلى في " مسنده " (١٦٧٥)، والبيهقي في " الدلائل " (٦/ ٢٥٦)، وقال الهيثمي في " المجمع ": " رجاله ثقات " (٨/ ٥٣)، وحسنه المنذري في " الترغيب " (٣/ ٢٤٠)، وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وبريدة بن الحصيب ﵃.
(٢) نقل الأبي عن المازَري: " أي شاق تركه؛ لأن المنهي عنه: منه ما يشق تركه كالمستلذات، ومنه ما ينفر الطبع كالمسمومات، ومنه ما لا يشق تركه كهذا "، وقال عياض: (وقيل: المعنى " في كبير " عندكم، وهو عند الله كبير) اهـ.
(٣) أي حقًّا إنه كبير يعاقب الله عليه، وقد عاقبهما سبحانه في القبر بعد موتهما.
(٤) رواه الامام أحمد (٥/ ٣٩)، وابن ماجه (٣٤٩)، والطيالسي (٨٦٧)، وابن أبي شيبة (١/ ١٢٢)، والبيهقي في " عذاب القبر " (١٣٧)، وقال المنذري: " رواته ثقات " كما في " الترغيب " (٣/ ٥١٢)، وقال الحافظ في " الفتح " (٤/ ٣٨٤): (إن رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني إسنادها صحيح) اهـ، وللحديث شواهد من حديث أبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن حسنة وغيرهم، انظرها مفصلة في " بذل الإحسان " للحوينى رقم (٣١).
[ ٢٠ ]
وعن جابر ﵁ مرفوعًا: " أما أحدهما فكان يغتاب الناس، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول " (١).
وصَحَّ عن قتادة ﵁ قال: " ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث: ثلث من الغيبة، وثلث من البول، وثلث من النميمة " (٢).
وعن أنس ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " لما عُرِج بِي مَررت بقومٍ لهم أظفار من نحاس يَخْمِشُونَ (٣) وجوههم وصدورهم، فقلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم " (٤).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (كنا عند النبي - ﷺ - فقام رجل (٥)، فوقع فيه رجل من بعده، فقال النبي - ﷺ -: " تخلل " (٦)، فقال: " وممَّ أتخلل؟ وما أكلت لحمًا! "، قال: " إِنك أكلت لحم أخيك ") (٧).
_________________
(١) البخاري في " الأدب المفرد " وصححه لغيره الألباني في " صحيح الأدب المفرد " رقم (٥٦٤).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في " الصمت "، (رقم١٨٩) ص (١٢٩).
(٣) يخمشون: يخدشون ويقطعون.
(٤) أخرجه الإمام أحمد (٢٢٤/ ٣)، وأبو داود رقما (٤٨٧٨)، (٤٨٧٩)، وابن أبي الدنيا في " الصمت " رقم (١٦٥)، وأبو الشيخ في " التوبيخ والتنبيه " رقم (٢٠١)، وصححه الألباني على شرط مسلم، كما في " الصحيحة " رقم (٥٣٣).
(٥) أي غاب عن المجلس.
(٦) بالخاء: من التخلل، وهو استعمال الخلال لإخراج ما بين الأسنان من الطعام، وأصله: من إدخال الشيء في خلال الشيء وهو وسطه، ومنه تخليل الأصابع في الوضوء، وانظر: " النهاية " (٢/ ٧٣)، (١/ ٤٣٠).
(٧) قال الهيثمي في " المجمع " (٨/ ٩٤): (رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح)، وزاد المنذري عزوه إلى ابن أبي شيبة، وقال في " الترغيب ": (رواته رواة الصحيح) اهـ (٣/ ٥٠٦)، وانظر: " غاية المرام " رقم (٤٢٨).
[ ٢١ ]
وعن عمرو بن العاص ﵁ أنه مَرَّ على بغل ميت، فقال لبعض أصحابه: " لأن يأكل الرجل من هذا حتى يملأ بطنه خير من أن يأكل لحم رجل مسلم " (١).
" والغيبة ضيافة الفساق " كما قال بعض السلف.
وعن إبراهيم بن أدهم: (أنه أضاف ناسًا، فلما قعدوا على الطعام جعلوا يتناولون رجلًا، فقال إبراهيم: إن الذين كانوا قبلنا، كانوا يأكلون الخبر قبل اللحم، وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز). (٢)
وعن ابن سيرين: ذكر الغيبة فقال: (ألم تر إلى جيفة خضراء منتنة؟). (٣)
وعن محمد بن عبيد الطنافسي، قال: (كنا عند " سفيان الثوري "، فأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله أرأيت هذا الحديث الذي جاء " إِن الله ليبغض أهل البيت اللحميين " (٤) الذين يكثرون أكل اللحم؟ قال سفيان: " لا، هم الذين يكثرون أكل لحوم الناس ") (٥).
_________________
(١) رواه البخاري في " الأدب المفرد " (٢٥٦)، ووكيع في " الزهد " (٤٣٣)، وابن أبي شيبة (٨/ ٣٨٧)، وابن أبي الدنيا في " الصمت " رقم (١٧٧)، (١٨٧)، وأبو الشيخ رقم (٢٠٨)، وقال محقق " الزهد " لوكيع: " إسناده صحيح على شرط الشيخين " (٣/ ٧٤٨).
(٢) " تنبيه الغافلين " للسمرقندي (١/ ١٧٦).
(٣) رواه وكيع في " الزهد " (٤٣٢)، وهناد في " الزهد " (٢/ ٥٦٤)، وفي " النهاية " (١/ ٣٢٥): الجيفة: جثة الميت إذا أنتن.
(٤) رواه البيهقي في " الشعب " (٥/ ٣٠٧) رقم (٦٧٤٣) من حديث سمرة بن جندب مرفوعًا بلفظ: " إِن الله يبغض البيتَ اللحِمَ "، وانظر: " الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة " للسيوطي (٥٨).
(٥) رواه البيهقي في " شعب الايمان " (٥/ ٢٩٩)، وأبو نعيم في " الحلية " (٦/ ٧٥)، وابن أبي الدنيا بنحوه في " الصمت " رقم (٧٣٩). وليس فيه التصريح برفع الحديث، وقال محققه الحويني: " رجاله ثقات " اهـ. ص (٣٠٩)، وانظر: " النهاية " لابن الأثير (٤/ ٢٣٩).
[ ٢٢ ]
وسمع علي بن الحسين رجلًا يغتاب آخر، فقال: " إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب الناس " (١).
وعن عبد العزيز بن أبان أن سفيان الثوري ﵀ قال: " إياك والغيبةَ، إياك والوقوعَ في الناس، فيهلِك دينُك " (٢).
وسئل بشر بن الحارث عمن يغتاب الناس يكون عدلًا؟ قال: " لا، إذا كان مشهورًا بذلك فهو الوضيع " (٣).
وقال الفضيل: سمعت سفيان يقول: " لأن أرمي رجلًا بسهم أحب إليّ من أن أرميه بلساني " (٤).
وقال الحسن: " والله! لَلغيبة أسرع في دين المؤمن من الأكَلةِ في جسده " (٥).
* * *
_________________
(١) " تفسير القرطبي " (١٦/ ٣٣٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في " الصمت " ص (٢٠٦) رقم (١٧١).
(٣) " حلية الأولياء " (٨/ ٣٤٤).
(٤) رواه البيهقي في " الشعب " (٥/ ٣١٦).
(٥) " الصمت " لابن أبي الدنيا رقم (١٩١) ص (١٢٩).
[ ٢٣ ]