رُوي عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء الأسلمي إلى رسول الله - ﷺ -، فشهد على نفسه بالزنا أريع شهادات، يقول: " أتيت امرأة حرامًا "، وفي كل ذلك يعرض عنه رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث إلى أن قال: " فما تريد بهذا القول؟ "، قال: " أريد أن تطهرني "، فأمر به رسول الله - ﷺ - أن يُرْجَم، فرُجِمَ، فسمع رسول الله - ﷺ - رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: " انظروا إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تَدَعْهُ نفسُهُ حتى رُجمَ رَجْمَ الكَلب "، قال: فسكت رسول الله - ﷺ - فمرَّ بجيفة حمارٍ شائلٍ (١) برجله، فقال: " أين فلان وفلان؟ "، فقالا: " نحن ذا يا رسول الله "، فقال لهما: " كلا من جيفة هذا الحمار "، فقالا: " يا رسول الله، غفر الله لك، من يأكل من هذا؟ "، فقال رسول الله - ﷺ -: " ما نِلْتُما من عِرْض هذا الرجل آنفًا، أشدُّ (٢) من أكل هذه الجيفة، فو الذي نفسي بيده، إِنه الآن في أنهار الجنة ") (٣).
والشاهد فيه قوله - ﷺ -: (كُلا)، وقوله: (نلتما) مع أن الذي اغتاب
_________________
(١) الشائل: كل ما ارتفع.
(٢) وذلك لأن أكل جيفة الحمار لم يؤذ مسلمًا، ولم ينتهك عرضه، ولم تنشغل ذمته بحقوق العباد، فهو خير ممن يأكلون لحوم البشر، وفي كل شر.
(٣) رواه أبو داود (٤/ ١٤٨)، رقم (٤٤٢٨)، وابن حبان رقم (٤٣٩٩)، وابن الجارود (٨١٤)، والدارقطني (٣/ ١٩٦ - ١٩٧)، والببهقي (٨/ ٢٢٧)، وفي إسناده عبد الرحمن بن الصامت ابن عم أبي هريرة، لم يوثقه غير ابن حبان، وقال البخاري: " لا يعرف إلا بهذا الحديث "، وفي " ذيل الكامل " للنباتي: (من لا يُعرف إلا بحديث واحد، ولم يشهر حاله، فهو في عداد المجهولين) اهـ. نقلًا عن تحقيق " الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان " (١٠/ ٢٤٥ - ٢٤٧).
[ ٣٤ ]
أحدهما، والآخر استمع وأقر، ولم ينكر عليه.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (كانت العرب يخدم بعضهم بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما، فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعاما، فقال -أحدهما لصاحبه: " إن هذا ليوائم نوم بيتكم " (١) فأيقظاه، فقالا: " ائت رسولَ الله - ﷺ - فقل له: " إن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، وهما يستأدماَنك " (٢)، فقال: " قد ائتدما "، ففزعا، فجاءا إلى النبي - ﷺ - فقالا: " (يا رسول الله بعثنا إليك نستأدمك، فقلت: " قد ائتدما "، فبأي شيء ائتدمنا؟) "، قال: " بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إِني لأرى لحمه من أنيابكما "، وفي رواية: " ثناياكما "، قالا: " فاستغفر لنا "، قال: " هو فليستغفر لكما ") (٣).
والشاهد في قوله - ﷺ -: " قد ائتدما "، وقوله: " من أنيابكما " مع أن القائل أحدهما، لكن الآخر سكت، وأقر، ولم ينكر عليه.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:
(اعلم أن الغيبة -كما يحرم على المغتاب ذكرُها- يحرم على السامع استماعُها وإقرارها، فيجب على من سمع إنسانًا يبتديء بغيبة محرمة أن ينهاه إن لم يخف ضررًا ظاهرًا، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك
_________________
(١) في النسخة المطبوعة من " المختارة ": " نبيكم " وهو تصحيف منكر!، وقد شرحها الضياء بأن نومه يشبه نوم البيت لا نوم السفر، عابوه بكثرة النوم، والموايمة: الموافقة.
(٢) يستأدمانك: يقال: استأدم فلانًا، أي طلب منه الإدام، وهو ما يُستمْرَأ به الخبز.
(٣) رواه الضياء في " الأحاديث المختارة " رقم (١٦٩٧)، والخرائطي في " مساوئ الأخلاق " رقم (١٨٨)، وانظر: " تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للعراقي، وابن السبكي، والزبيدي " (٤/ ١٧٥٤)، وانظر: " الدر المنثور " (٦/ ٩٥)، و" تفسير القرآن العظيم " لابن كثير (٧/ ٣٦٣) ط. الشعب.
[ ٣٥ ]
المجلس إن تمكَّن من مفارقته، فإن قدر على الإنكار بلسانه، أو على قطع الغيبة بكلام آخر، لزمه ذلك، فإن لم يفعل عصى، فإن قال بلسانه: " اسكت "، وهو يشتهي بقلبه استمراره، فقال أبو حامد الغزالي: " ذلك نفاق لا يخرجه عن الإثم، ولابد من كراهته بقلبه " (١).
ومتى اضطر إلى المقام في ذلك المجلس الذي فيه الغيبة، وعجز عن الإنكار، أو أنكر فلم يُقبل منه، ولم يمكنه المفارقة بطريق حرم عليه الاستماع والإصغاء للغيبة، بل طريقه أن يذكر الله تعالى بلسانه وقلبه، أو بقلبه، أو يفكر في أمرآخر ليشتغل عن استماعها، ولا يضره بعد ذلك السماع من غير استماع وإصغاء في هذه الحالة المذكورة، فإن تمكَّن بعد ذلك من المفارقة وهم مستمرون فيِ الغيبة ونحوها، وجب عليه المفارقة، قال الله تعالى: (وَإِذَا رأَيْتَ الَّذينَ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨] (٢) اهـ.
روى ابن أبي الدنيا عن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان أنه قال لمولى له: " نَزِّه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن القول به، فإن المستمع شريكُ القائل ".
وسمعَكَ صُنْ عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند سماع القبيح شريكٌ لقائله فانتبه
* * *
_________________
(١) قال الإمام ابن الجوزي ﵀ في " تلبيس إبليس ": (وكم من ساكت عن غيبة المسلمين إذا اغتيبوا عنده فرح قلبه، وهو آثم بذلك من ثلاثة أوجه، أحدها: الفرح، فإنه حصل بوجود هذه المعصية من المغتاب، والثاني: لسروره بثلب المسلمين، والثالث: أنه لا يُنكر) اهـ. ص (١٢٨).
(٢) " الأذكار النووية " ص (٢٩١).
[ ٣٦ ]