عن شَكَل بن حميد ﵁ قال: (أتيت النبي - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله؛ عَلّمْني تعوذًا أتعوذ به، قال: فأخذ بكفِّي، فقال: قل: " اللهم إِني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيِّي ") (١).
وكان عبد الله بن الخيار يقول في مجلسه: " اللهم سلمنا، وسلِّم المؤمنين منَّا " (٢).
وعن شقيق قال: لبَّى عبد الله ﵁ على الصفا، ثم قال: " يا لسان قل خيرًا تغنم، اسكت تسلم، من قبل أن تندم "، قالوا: " يا أبا عبد الرحمن هذا شيء أنت تقوله أم سمعته؟ " قال: " لا، بل سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " أكثر خطايا ابنِ آدمَ فِي لسانِهِ " (٣).
وعن أبي سعيد ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " إِذا أصبح ابن آدم فإِن الأعضاء كلَّها تكفِّر اللسان، فتقول: اتق الله فينا، فإِنما نحن بك، فإِن
_________________
(١) صحيح الترمذي رقم (٢٧٧٥)، صحيح أبي داود (١٣٨٧).
(٢) " تذكرة الحفاظ " (١/ ١٣٩).
(٣) قال المنذري في " الترغيب ": (رواه الطبراني، ورواته رواة الصحيح، وأبو الشيخ فى " الثواب " والبيهقي بإسناد حسن) اهـ. (٤/ ٨)، وقال الألباني في " الصحيحة " رقم (٥٣٤): " إسناده جيده، وهو على شرط مسلم " اهـ.
[ ٥٥ ]
استقمت استقمنا، وإِن اعوججت اعوججنا " (١).
وعن أبي بكر ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " ليس شيء من الجسد إِلا يشكو ذَرَبَ اللسان على حِدَّته " (٢).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سالت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: " الصلاة على ميقاتها "، قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: " أن يسلم الناس من لسانك " (٣).
وعن ثوبان ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " طوبى لمن ملك لسانه، ووسِعَه بيتُه، وبكى على خطيئته " (٤).
وعن عقبة بن عامر ﵁ قال - ﷺ - قلت: " يا رسول الله؛ ما النجاة؟ "، قال: " أملِك عليك لسانك، ولْيَسَعْكَ بيتُك، وابكِ على خطيئتك " (٥).
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٤٠٧)، والإمام أحمد في " مسنده " (٣/ ٩٦)، وزاد نسبته السيوطي في " الجامع الصغير " إلى ابن خزيمة، والبيهقي في " شعب الإيمان "، ورواه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " رقم (١)، وأبو نعيم في " الحلية " (٤/ ٣٠٩). ومعنى " تكفر اللسان ": تذل وتخضع له.
(٢) أخرجه أبو يعلى في " مسنده " رقم (٥)، وابن السني في " العمل " رقم (٧)، والبيهقي في " الشعب "، واللفظ له، وصححه الألباني على شرط البخاري في " الصحيحة " رقم (٥٣٥)، وذَرَبُ اللسان: حدته وشَرُّه وفُحشه.
(٣) قال في " الترغَيب " (٣/ ٥٢٣): (رواه الطبراني بإسناد صحيح، وصدرُه في " الصحيحين ") اهـ.
(٤) قال في " الترغيب " (٣/ ٥٢٤): (رواه الطبراني في " الأوسط " و" الصغير "، وحسن إسناده) اهـ.
(٥) أخرجه ابن المبارك في " الزهد " رقم (١٣٤)، والإمام أحمد في " مسنده " (٥/ ٢٥٩) والترمذي (٢٤٠٦)، وحسنه، وانظر: " الصحيحة " رقم (٨٩٠).
[ ٥٦ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " إِن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، (١) يهوي بها سبعين خريفًا في النار " (٢).
وعنه ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: " إِن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها، يهوي بها في النار، أبعدَ ما بين المشرق والمغرب " (٣).
وسأل معاذ ﵁ رسول الله - ﷺ -: " يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ " فقال: " ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على
_________________
(١) وفي لفظ للبخاري: " لا يلقي لها بالًا " أي: لا يتأملها بخاطره، ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر شيئًا، وهي من نحو قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾ [النور: ١٥]، كما في " الفتح " (١١/ ٣١١).
(٢) رواه الترمذي رقم (٢٣١٤)، وقال: " حسن غريب "، والإمام أحمد (٢/ ٢٣٦)، وابن ماجه برقم (٣٩٧٠)، وهو في " صحيح ابن ماجه " برقم (٣٢٥٦).
(٣) رواه البخاري (١١/ ٣٠٨)، ومسلم رقم (٢٩٨٨)، واللفظ له، وفي لفظ البخاري: " ما يتبين فيها "، قال الحافظ: " أي لا يتطلب معناها، أي لا يثبتها بفكره، ولا يتأملها حتى يتثبت فيها، فلا يقولها إلا إن ظهرت المصلحة في القول " اهـ. من " الفتح " (١١/ ٣١١). و(ما) الأولى نافية، و(ما) الثانية موصولة أو موصوفة. و(قال ابن عبد البر: " الكلمة التي يهوي صاحبها بسببها في النار هي التي يقولها عند سلطان جائر "، وزاد ابن بطال: " بالبغي أو بالسعي على المسلم، فتكون سببًا لهلاكه "، وإن لم يرد القائل ذلك وقيل: " هي الكلمة عند ذي السلطان يرضيه بها فيما يسخط الله "، قال ابن التين: " هذا هو الغالب، وربما كانت عند غير ذي السلطان ممن يتأتى منه ذلك "، ونقل عن ابن وهب أن المراد بها التلفظ بالسوء والفحش وقال القاضي عياض: " يحتمل أن تكون تلك الكلمة من الخنى والرفث، وأن تكون في التعريض بالمسلم بكبيرة أو بمجون، أو استخفاف بحق النبوة والشريعة وإن لم يعتقد ذلك "، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: " هي الكلمة التي لا يعرف القائل حسنها من قبحها " اهـ. بتصرف من " الفتح " (٣١١/ ١١).
[ ٥٧ ]
وجوههِم -أو على مناخرهم- إِلا حصائد ألسنتهم " (١).
وعنه ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله، أوصني، قال: " اعبد الله كأنك تراه، واعدد نفسك في الموتى، وإِن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كله؟ "، قال: " هذا "، وأشار بيده إلى لسانه) (٢).
وعن سفيان بن عبد الله ﵁ قال: قلت " يا رسول الله حَدِّثني بأمرٍ أعتصم به "، قال: " قل: ربي الله، ثم استقم "، قلت: " يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ "، فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: " هذا " (٣).
وعن أبي أيوب ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ -، فقال: " يا
_________________
(١) أصل الحديث رواه معاذ ﵁؛ قال: (كنت مع النبي - ﷺ - في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، فقلت: " يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار "، قال: " لقد سألت عظيمًا، وإِنه ليسير على من يسَّره الله عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، ثم قال: " ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تطفيء الخطيئة، كما يطفيء النارَ الماءُ، وصلاةُ الرجل في جوفِ الليل "، ثم قرأ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ [السجدة: ١٦]، حتى بلغ (﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجده: ١٧]، ثم قال " ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ " قلت: " بلى يا رسول الله "، قال: " رأس الأمر الإِسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد "، ثم قال: " ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: " بلى "، فأخذ بلسانه فقال: " تكفُّ عليك هذا "، قلت: " يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به .. ") الحديث، رواه الترمذي (٢٦١٦)، وقال: " حسن صحيح " والإمام أحمد (٥/ ٢٣١، ٢٣٧)، والحاكم (٢/ ٤١٣) وصححه على شرط الشيخين، وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " برقم (٢١١٠)، و" صحيح ابن ماجه " (٣٢٠٩).
(٢) قال في " الترغيب " (٣/ ٥٣٢): " رواه ابن أبي الدنيا بإسناد جيد " اهـ. وهو في " الصمت " له برقم (٢٢).
(٣) أخرجه الترمذي رقم (٢٤١٢)، وقال: " حسن صحيح "، وابن ماجه رقم (٣٩٧٢)، وابن حبان في " صحيحه " (٥٦٩٨).
[ ٥٨ ]
رسول الله، عظني وأوجز " قال: " إِذا قمت في صلاتك، فصلِّ صلاة مودع، ولا تكلم بكلامٍ تعتذرُ منه غدًا، واجمع الإِياس مما في أيدي الناس " (١).
وعن أنس ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " إِياك وكلَّ ما يُعتذر منه " (٢).
وعن أبي موسى ﵁ قال - ﷺ -: " على كل مسلم صدقة "، قيل: " أرأيت إن لم يجد؟ "، قال: " يعتمل بيديه فينفع نفسه، ويتصدق "، قال: قيل: " أرأيت إن لم يستطع؟ " قال: " يعين ذا الحاجة الملهوفَ "، قال: قيل له: " أرأيت إن لم يستطع؟ " قال: " يأمر بالمعروف أو الخير "، قال: " أرأيت إن لم يفعل؟ " قال: " يمسك عن الشر فإِنها صدقة " (٣).
وعن البراء بن عازب ﵁ قال: (جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: " يا رسول الله؛ علمني عملًا يُدخلُني الجنة "، قال: " إِن كنت أقصرت الخُطبة لقد أعرضْت المسألة، أعتق النَّسَمَة، وفُكَّ الرقبة فإِن لم تطِق ذلك، فأطعم الجائع، وأسْقِ الظمآن، وأْمُرْ بالمعروف، وانه عن المنكر، فإِن لم تُطِقْ ذلك، فكُفَّ لسانَك إِلا عن خير ") (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه رقم (٤١٧١)، والإمام أحمد (٥/ ٤١٢)، وأبو نعيم في " الحلية " (١/ ٤٦٢)،وحسنه الألباني في " صحيح ابن ماجه " رقم (٣٣٦٣)، وانظر: " السلسلة الصحيحة " رقم (٤٠١).
(٢) عزاه في " الصحيحة " رقم (٣٥٤) إلى الضياء في " المختارة "، وحسنه.
(٣) رواه البخاري (١٠/ ٤٤٧)، ومسلم رقم (١٠٠٩).
(٤) رواه الإمام أحمد (٤/ ٢٩٩)، والطيالسي (٧٣٩)، وابن حبان (٣٧٤)، والبيهقي (١٠/ ٢٧٢، ٢٧٣)، والبغوي في " شرح السنة " (٢٤١٩)، قال الهيثمي: (ورجاله -يعني أحمد- ثقات)، وصححه الأرناؤوط في تحقيق " الإحسان " (٢/ ٩٨).
[ ٥٩ ]
وعن أبي ذر ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: " الإِيمان بالله والجهاد في سبيله "، قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: " أنفَسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا "، قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: " تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق "، قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: " تكف شَرَّك عن الناس، فإِنها صدقة منك على نفسك " (١).
وعن أبي كثير السُّحَيْمِيّ عن أبيه قال: (سألت أبا ذر قلت: " دُلَّني على عملٍ، إذا عمل العبد به دخل الجنة "، قال: سألت عن ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: " يؤمن بالله "، قال: فقلت: " يا رسول الله، إن مع الإيمان عملًا؟ "، قال: " يَرْضَخ (٢) مما رزق الله "، قلت: " وإن كان مُعْدمًا لا شيء له "، قال: " يقول معروفًا بلسانه "، قال: قلت: " فإن كان عَييًا لا يُبْلِغ عنه لسانُه؟ "، قال: " فيعيِنُ مغلوبًا "، قلت: " فإن كان ضعيفًا لا قدرة له؟ "، قال: " فليصنع لأخرق " (٣)، قلت: " وإن كان أخرقَ؟ "، قال: فالتفت إليَّ، وقال: " ما تريد أن تدع في صاحبك شيئًا من الخير، فَلْيَدَع الناسَ من أذاه "، فقلت: " يا رسول الله، إن هذه كلمة تيسير؟ " فقال - ﷺ -: " والذي نفسي بيده، ما من عبد يعمل بخصلة منها، يريد بها ما عند الله، إِلا أخَذَتْ بيده يوم القيامة، حتى تُدخله الجنة ") (٤).
_________________
(١) رواه مسلم رقم (١٣٦) (١/ ٨٩)، والبخاري في " الأدب المفرد " رقم (٢٢٠).
(٢) الرضْخُ: العطية القليلة.
(٣) الأخرق: من ليس في يده صنعة.
(٤) رواه ابن حبان رقم (٣٧٣)، والحاكم (١/ ٦٣)، وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر: " الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان " (٢/ ٩٦ - ٩٧).
[ ٦٠ ]
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ مرفوعًا: " أفضل المؤمنين إِسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل الجهاد من جاهد نفسه في ذات الله " (١) الحديث.
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لا تعجبكم من الرجل طنطنته، ولكن من أدَّى الأمانة، وكفَّ عن أعراض الناس؛ لهو الرجل " (٢).
وقال بكر بن عبد الله المُزَنِيُّ ﵀: " اجتهدوا في العمل، فإن قَصَّرَ بكم ضعفٌ؛ فكُفُّوا عن المعاصي ".
عن يحيى بن معاذ قال: " ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال لتكون من المحسنين: إحداها: إن لم تنفعه فلا تضره، والثانية: إن لم تسره فلا تغمه، والثالثة: إن لم تمدحه فلا تذمه " (٣).
وعن عبد الله بن عون -﵀- قال: " أحب لكم يا معشر إخواني ثلاثًا: هذا القرآن تتلونه آناء الليل والنهار، ولزوم الجماعة، والكف عن أعراض المسلمين " (٤).
وقال بعض السلف: " إن ضعفت عن ثلاث فعليك بثلاث: إن ضعفت عن الخير؟ فأمسك عن الشر، وإن كنت لا تستطيع أن تنفع الناس، فأمسِك عنهم ضُرَّكَ، وإن كنت لا تستطيع أن تصوم، فلا تأكل لحوم الناس ".
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن نصر في " الصلاة "، وصححه الألباني في " الصحيحة " رقم (١٤٩١).
(٢) " تاريخ عمر " لابن الجوزي ص (٢٢٦) - ط. مكتبة المؤيد.
(٣) " تنبيه الغافلين " (١/ ١٧٨).
(٤) " حلية الأولياء " (٣/ ٤١).
[ ٦١ ]
ولما كان أحد البواعث على الغيبة شفاء الغيظ بمقابلة العدوان بمثله رغبت الشريعة السمحة في كظم الغيظ، وترك مقابلة العدوان بمثله، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وعن معاذ بن أنس ﵁ قال رسول الله - ﷺ -: " من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنْفِذَهُ، دعاه الله ﷿ على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يُخَيِّره من الحور ما شاء " (١).
وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: " من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون " (٢).
وكان أحدهم يقع في عمر بن ذر ويشتمه، فلقيه عمر، فقال: " يا هذا لا تُفرط في شتمنا، وأبق للصلح موضعًا، فإنا لا نكافيء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه " (٣).
وقيل: إن رجلًا خاصم الأحنف بن قيس، وقال: " لئن قلتَ واحدة، لتسمعن عشرًا "، فقال: " لكنك إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة " (٤).
وعن بكار بن محمد السيريني قال: " كان عبد الله بن عون مشغولًا بنفسه
_________________
(١) رواه الترمذي رقم (٢٠٢٢)، وأبو داود رقم (٤٧٧٧)، وغيرهما، وحسنه الألباني في " صحيح الجامع " رقم (٦٣٩٨).
(٢) " الإحياء " (٣/ ١٨٧).
(٣) " سير أعلام النبلاء " (٦/ ٣٨٩).
(٤) " السابق " (٤/ ٩٣).
[ ٦٢ ]
وما سمعته ذاكرًا بلال بن أبي بردة بشيء قط، ولقد بلغني أن قومًا قالوا له: " يا أبا عون! بلال فعل كذا "، فقال: " إن الرجل يكون مظلومًا، فلا يزال يقول حتى يكون ظالمًا، وما أظن أحدًا منكم أشد على بلال مني "، قال: " وكان بلال قد ضربه بالسياط لكونه تزوج امرأة عربية (١).
وقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀: " التَّقيُّ مُلْجَمٌ، لا يفعل كلَّ ما يريد " (٢).
وعن عبد العزيز بن الماجشون: (قال أبو حازم لبعض أولئك الأمراء: والله لولا تبعة لساني، لأشفيت منكم اليوم صدري) (٣).
ليست الأحلام في حين الرضا إنما الأحلام وقت الغضب (٤)
ودخل عمر على أبي بكر ﵄ وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: " مه! غفر الله لك "، فقال أبو بكر: " إن هذا أوردني الموارد " (٥).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: " والذي لا إله غيره، ما على ظهر الأرض من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان " (٦).
تَحَفَّظْ منْ لسانك ليس شيء أحقَّ بطول سجن من لسان
أما إذا أطَلقته حُرًّا، فهنالك تكون المهالك:
إن اللسان إذا حللتَ عِقَاله ألقاك في شنعاءَ ليس تُقالُ
_________________
(١) " السابق " (٦/ ٣٧٠).
(٢) انظر: " شعب الإيمان " للبيهقي رقم (٥٧٨٨).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في " الصمت " رقم (٤٢٣).
(٤) " الحلية " (٣٢٧/ ٤).
(٥) " الموطأ " (٢/ ٩٨٨).
(٦) " الزهد " للإمام أحمد (١٦٢).
[ ٦٣ ]
فالعقال والقيد أليقُ لكل لسان، وأحوط، وأبرأ، لأنه ليس من أحد يقيلك ويعفيك من سقطاته، إلا الأقل، فانتبه (١).
وقال مالك بن دينار: " كان الأبرار يتواصون بثلاث؛ بسجن اللسان، وكثرة الاستغفار، والعزلة " (٢).
وقال الفضيل بن عياض: " ما حجٌّ ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان، ولو أصبحت يُهمك لسانك، أصبحت في همٍّ شديد " (٣).
وعن عطاء بن أبي رباح قال: " إن من كان قبلكم كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها، أتنكرون أن عليكم حافظين كرامًا كاتبين عن اليمين وعن الشمال قعيدٌ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، أما يستحي أحدكم لو نُشرت صحيفته التي أملى صدر نهاره وليس فيها شيء من أمر آخرته؟! " (٤).
وقيل للمعافى بن عمران: ما ترى في الرجل يقرض الشعر ولقوله؟ فقال: " هو عمرك فأفنه بما شئت ".
وعن يعلى بن عبيد قال: سمعت سفيان الثوري يقول: " لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان، أكنتم تتكلمون بشيء؟ " قلنا: لا، قال: " فإن معكم من يرفع الحديث " (٥).
وعن حاتم قال: " لو أن صاحب خَبرٍ جلس إليك، لكنت تتحرز منه،
_________________
(١) " فضائح الفتن " ص (٣٤).
(٢) " الحلية " (٢/ ٣٧٧).
(٣) " جامع العلوم والحكم " ص (١٦٢).
(٤) " سير أعلام النبلاء " (٥/ ٨٦).
(٥) " حلية الأولياء " (٧/ ٧٠).
[ ٦٤ ]
وكلامك يُعرض على الله فلا تحترز " (١).
وقال أبو علي الدقَّاق: " لو كنتم تشترون الكاغد -أي الورق- للحَفَظة لسكتم عن كثير من الكلام " (٢).
وقال مالك بن دينار: " لو أن القوم كُلِّفوا الصحف؛ لأقلوا المنطق " (٣).
وكان مالك بن أنس يعيب كثرة الكلام، ويقول: " لا يوجد إلا في النساء أو الضعفاء " (٤).
وقال الحسن البصري: " يا عجبًا لابن آدم: حافظاه على رأسه، لسانه قلمهما، وريقه مدادهما، وهو بين ذلك يتكلم بما لا يعنيه " (٥).
وقال أيضًا: " ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه " (٦).
وقال ﵀: " لا تستقيم أمانة رجل حتى يستقيم لسانه، ولا يستقيم لسانه حتى يستقيم قلبه " (٧).
وقال الفضيل بن عياض: " والله ما يحل لك أن تؤذي كلبًا أو خنزيرًا بغير حق، فكيف تؤذي مسلمًا؟ " (٨).
وقال الإمام تاج الدين السبكي ﵀: (كنت جالسًا بدهليز دارنا، فأقبل كلب، فقلتُ: " اخسأ كلبَ بنَ كلبٍ "، فزجرني الوالدُ من داخل البيت، فقلت: " أليس هو كلب بن كلب؟ " قال: " شرط الجواز عدمُ قصد
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء " (١١/ ٤٨٧).
(٢) " شرح الأربعين النووية " الحديث رقم (١٥) ص (٥٠) ط. دار الصحابة- طنطا.
(٣) " الحلية " (٢/ ٣٧٥).
(٤) " الآداب الشرعية " لابن مفلح ص (٣٧).
(٥) " الزهد " للإمام أحمد (٤٣).
(٦) " الإحياء " (٣/ ١٢٠).
(٧) " الآداب الشرعية " لابن مفلح ص (٤٠).
(٨) " سير أعلام النبلاء " (٨/ ٤٢٧).
[ ٦٥ ]
التحقير " فقلت: " هذه فائدة ") (١).
وعن يحيى بن سعيد أن عيسى ابن مريم لقي خنزيرًا بالطريق، فقال له: " انفذ بسلام "، فقيل: " تقول هذا لخنزير؟ "، فقال عيسى: " إني أخاف أن أعوِّد لساني النطق بالسوء " (٢).
وقال عاصم بن أبي النَّجود: " ما سمعت أبا وائل -يعني شقيق بن سَلَمة- سبَّ إنسانًا قط، ولا بهيمة " (٣).
وعن المثنى بن الصباح قال: " لبث وهب بن منبه أربعين سنة لم يَسُبَّ شيئًا فيه الروح " (٤).
وعن عمرو بن مالك أنه سمع أبا الجوزاء يقول: " ما لعنت شيئًا قط، ولا أكلت شيئًا ملعونًا قط، ولا آذيت أحدًا قط " (٥).
قال الذهبي: انظر إلى هذا السيد، واقتد به.
وعن أبي حيان التيمي عن أبيه قال: قال رأيت ابنة الربيع بن خثيم أتته، فقالت: " يا أبتاه " أذهب ألعب؟ "، قال: " يا بُنيتي، اذهبي قولي خيرًا " (٦).
وعن بكر بن ماعز، أن الربيع بن خثيم أتته ابنة له، فقالت: " يا أبتاه، أذهب ألعب؟ "، فلما أكثرت عليه، قال بعض جلسائه: " لو أمرتها فذهبت؟ "، قال: " لا يكتب عليَّ اليوم أني آمرها تلعب " (٧).
وعن جرير بن حازم قال: ذكر ابن سيرين رجلًا، فقال: " ذاك الرجل
_________________
(١) " الرفع والتكميل " للكنوي ص (٤٦).
(٢) أخرجه مالك في " الموطأ " ص (٦٠٩) ط. الشعب.
(٣) " السير " (٤/ ١٦٣).
(٤) " نزهة الفضلاء " (١/ ٤٤٠).
(٥) " السير " (٤/ ٣٧١).
(٦) أخرجه ابن سعد (٦/ ١٨٨)، وهناد في " الزهد " (٢/ ٥٣٨).
(٧) " الزهد " لابن المبارك رقم (٣٧١) ص (٧٩).
[ ٦٦ ]
الأسود "، ثم قال: " أستغفر الله، ما أراني إلا قد اغتبته " (١).
وعن الحسن قال: (يخشون أن يكون قولنا: " حُمَيْدٌ الطويلُ " غيبة) (٢).
وعن شعبة قال: (قال لي معاوية -يعني ابن قُرَّة-: لو مَرَّ بك رجل أقطع، فقلت: " هذا أقطع "، كان غيبة، فذكرته لأبي إسحاق، فقال: " صدق ") (٣).
وعن ثابت البُناني ﵀ قال: (قال شداد بن أوس لغلامه: " ائتنا بسُفْرتنا فنعبث ببعض ما فيها "، فقال له رجل من أصحابه: " ما سمعت منك كلمة منذ صاحبتُك أرى أن يكون فيها شيء من هذه؟ " قال: " صدقت، ما تكلمت بكلمة مذ بايعتُ رسول الله - ﷺ -، إلا أزمها وأخطمها إلا هذه، وأيم الله لا تذهب مني هكذا "، فجعل يُسَبّح، ويكبِّر، ويحمد الله ﷿ ") (٤).
وعن حسان بن عطية ﵀، قال: (كان شداد بن أوس في سفر، فنزل منزلًا، فقال لغلامه: " ائتنا بالسُّفرة نعبث بها "، فأنكرتُ عليه، فقال: " ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت، إلا وأنا أخْطمُها وأزمُّها، إلا كلمتي هذه، فلا تحفظوها عليَّ ") (٥).
وعن يزيد بن حَيَّان التيمي قال: (كان يقال: " ينبغي للرجل أن يكون أحفظ للسانه منه لموضع قدمه ") (٦).
وقال سلمة بن دينار: " ينبغي للمؤمن أن يكون أشد حفظًا للسانه منه لموضع قدمه " (٧).
* * *
_________________
(١) انظر الحاشية رقم (٥) ص (٨٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في " الصمت " رقم (٢١٢) ص (١٣٧).
(٣) " الجامع لأحكام القرآن " (١٦/ ٣٣٥).
(٤) " حلية الأولياء " (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٥) " حلية الأولياء " (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٦) " الصمت " رقم (٣٢).
(٧) " صفة الصفوة " (٢/ ٥٧).
[ ٦٧ ]