فعن عمرو بن غالب أن رجلًا نال من عائشة عند عمَّار، فقال: " اعزب مقبوحًا منبوحًا، أتؤذي حبيبة رسول الله - ﷺ -؟! " (٤).
وقال كعب بن مالك ﵁ في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: (ولما بلغ النبي - ﷺ - تبوك، ذكرنى، وقال: " ما فعل كعب "؟ فقال رجل من قومي: " خلَّفه يا نبي الله برداء، والنظر في عطفيه "، فقال معاذ ﵁: " بئس ما قلتَ، والله ما نعلم إلا خيرًا ") (٥).
وقال عباد بن عباد: (أراد شعبة أن يقع في خالد الحذاء -أحد الأئمة الحفاظ الأعلام- فأتيتُه أنا وحماد بن زيد، فقلنا له: " مالك؟! أجُنِنْتَ؟! "، وتهددناه،
_________________
(١) " سير أعلام النبلاء " (١٠/ ٤٥)، " تاريخ بغداد " (٢/ ٦٢، ٦٦).
(٢) " جلاء العينين في محاكمة الأحمدين " ص (١٩٥).
(٣) " تاريخ بغداد " (٢/ ١٦).
(٤) أخرجه الترمذي رقم (٣٨٨٨)، وحسنه، وابن سعد في " الطبقات " (٨/ ٦٥)، وأبو نعيم، في " الحلية " (٤٤/ ٢).
(٥) قطعة من حديث طويل رواه البخاري (٥/ ١٣٠)، ومسلم (٤/ ٢١٢٢)، وأحمد (٣/ ٤٥٧).
[ ١٩٠ ]
فسكت) (١)
ولما زلَّ الإمام الحافظ وكيع بن الجراح زلة عالم فروى خبرًا منكرًا، فاتته فيه سكتة، كادت نفسه تذهب غلطًا، فاجتمعت قريش، وأرادوا صلب وكيع، ونصبوا خشبة صلبه، فجاء سفيان بن عيينة، فقال لهم: " الله الله! هذا فقيه أهل العراق، وابن فقيهه، وهذا حديث معروف "، قال سفيان: " ولم أكن سمعته إلا أني أردتُ تخليص وكيع ".
وكان قد رفع أمره إلى العثماني -متولّي مكة- فحبسه، وعزم على قتله، ونُصِبت خشبة خارج الحرم، وبلغ وكيعًا، وهو محبوس، قال الحارث بن صديق: فدخلتُ عليه لما بلغني، وقد سبق إليه الخبر، قال: وكان بينه وبين ابن عيينة يومئذ مُتباعَد، مقال لي: " ما أرانا إلا قد اضطررنا إلى هذا الرجل، واحتجنا إليه "، فقلت: " دع هذا عنك! فإن لم يدركك، قُتِلت "، فأرسل إلى سفيان، وفزع إليه، فدخل سفيان على العثماني، فكلَّمه فيه، والعثماني يأبى عليه، فقال له سفيان: " إني لك ناصح، هذا رجل من أهل العلم، وله عشيرة، وولدُه بباب أمير المؤمنين، فتشخص لمناظرتهم "، قال: فعمل فيه كلام سفيان، فأمر إطلاقه (٢).
ولما اقتيد الإمام الشافعي مكبَّلًا بالحديد إلى بغداد سنة (١٨٤ هـ) إثر اتهامه زورًا بالتحريض ضد العباسيين، وناقشه الخليفة الرشيد، بحضور محمد بن الحسن الشيباني الذي كان قاضي بغداد في ذلك الوقت، والذي استأنس
_________________
(١) " تهذيب التهذيب " (٣/ ١٢٢)، و" سير أعلام النبلاء " (٦/ ١٩١).
(٢) " سير أعلام النبلاء " (٩/ ١٦٠، ١٦٣).
[ ١٩١ ]
الشافعي به لما رآه في مجلس الرشيد عند الاتهام، ولأن العلم رحم بين أهله؛ قال الشافعى مخاطبًا الرشيد: " إن لي حظًا من العلم، وإن القاضي محمد بن الحسن يعرف ذلك "، فسأل الرشيد محمدًا، فقال: " له من العلم حظ كبير، وليس الذي وقع عليه من شأنه "، وكانت تلك الشهادة من الإمام محمد بن الحسن ﵀ سببًا في نجاة الشافعي، وتبرئته من الاتهام الكاذب (١).
(ولما وقعت المناظرة لشيخ الإسلام ابن تيمية مع الشافعية، وبحث مع الصفي الهندي، ثم ابن الزملكاني، بالقصر الأبلح، شرع الإمام أبو الحجاج المزي ﵀ يقرأ كتاب " خلق أفعال العباد " للبخاري، وفيه فصل في الرد على الجهمية، فغضب بعض الفقهاء، وقالوا: " نحن المقصودون بهذا "، فبلغ ذلك القاضي الشافعي يومئذ، فأمر بسجنه، فتوجَّه ابن تيمية وأخرجه من السجن، فغضب النائب، فاعيد، ثم أفرِج عنه) (٢).
وتكلم الامام المحقق ابن قيم الجوزية حول درجة " الفتوة " ثم قال ﵀: (ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي؛ فلينظر إلى سيرة النبي - ﷺ - مع الناس يجدها هذه بعينها، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه، ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة، وما رأيت أحدًا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله رُوحه، وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: " وددت أني لأصحابي مثلُه لأعدائه وخصومه "، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذىً له، فنهرني، وتنكر لي، واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزَّاهم، وقال:
_________________
(١) " تاريخ المذاهب الإسلامية " (١/ ٢٣٤).
(٢) " الدرر الكامنة " (٥/ ٢٣٤)، ت (٥١٢٢).
[ ١٩٢ ]
" إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجونه فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه " ونحو هذا الكلام، فسرُّوا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله، ورضي عنه) (١) اهـ.
واستفتى السلطان محمد بن الملك المنصور قلاوون شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموه في حق شيخ الإسلام (٢)، وأخرج السلطان من جيبه فتاوى لبعض الحاضرين في قتله.
قال شيخ الإسلام: (ففهمت مقصوده أن عنده حنقًا شديدًا عليهم، لما خلعوه، وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فشرعت في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حل من حقي ومن جهتي، وسكَّنت ما عنده عليهم).
قال: كان القاضي زين الدين ابن مخلوف -قاضي المالكية- يقول بعد ذلك: " ما رأينا أتقى من ابن تيمية، لم نُبق ممكنا في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا " (٣).