ذكر الأحاديث التي ورد فيها ذكر الإصلاح
إن الناظر في كتب السنة يجد عددًا من الأحاديث النبوية جاءت في بيان فضل الإصلاح بين الناس، والترغيب فيه، والحث على فعله، وذكر الثواب العظيم لمن قام به، فحري بالمسلم أن يعقل ذلك ويعمل به، ساعيًا في الإصلاح بين المسلمين، لأن هذا شأن أهل الإيمان كما أخبر الله عنهم في كتابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
ومن النصوص النبوية الواردة في ذلك ما يلي:
الحديث الأول: ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام، والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة (^١) (^٢).
_________________
(١) قلت: المراد بقوله: «الحالقة»: أي الخَصْلة التي من شأنها أن تَحلِق: أي تُهْلِك وتَستأصِل الدِّين كما يَسْتَأصِل المُوسَى الشعر، وقيل: هي قَطِيعة الرَّحم والتَّظالُم، قاله أبو السعادات في: النهاية في غريب الحديث والأثر (١/ ٤٢٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤٥/ ٥٠٠) ح (٢٧٥٠٨)، وهذا لفظه بتقديم الصلاة على الصيام، والأكثرون على تقديم الصيام على الصلاة، وأخرجه أبو داود في سننه (٤/ ٢٨٠) ح (٤٩١٩)، والترمذي في سننه (٤/ ٦٦٣) ح (٢٥٠٩)، وقال: هذا حديث صحيح، وصححه البزار كما في البحر الزخار ح (٢١٥٩)، وصححه أيضا الألباني في صحيح الترغيب (٣/ ٧٠) ح (٢٨١٤).
[ ٣٢ ]
ثم قال الترمذي بعد تصحيحه للحديث: ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (^١).
ابتدأ النبي ﷺ هذا الحديث بأداة التنبيه: «ألا»، وهي تقتضي أهمية المنبه عليه
وهو هنا: الإصلاح، وأخبر أنه أفضل من درجة الصلاة، والصيام، والصدقة (^٢).
قال الطيبي في شرح هذا الحديث:
«فيه حث وترغيب في إصلاح ذات البين، واجتناب عن الإفساد فيها؛ لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين، وفساد ذات البين ثلمة في الدين، فمن تعاطى إصلاحها ورفع
_________________
(١) قال عنه الألباني: «حسن لغيره»، كما في صحيح الترغيب والترهيب (٣/ ٧٠) ح (٢٨١٤)، والحديث أخرجه الترمذي في سننه (٤/ ٦٦٤) ح (٢٥١٠) بعد حديث الباب بلفظ: «دب إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين …) الحديث، وسنده حسن كما في صحيح الترمذي (٢/ ٣٠٧) ح (٢٠٣٨)، وقال عنه المنذري في الترغيب (٣/ ٤٢٥)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣٠): «إسناده جيد».
(٢) اختلف العلماء في وجه تفضيل الإصلاح على الصلاة، والصيام، والصدقة، فقال بعضهم: المراد بذلك صلاة وصيام وصدقة النافلة والتطوع، لا الفرض، وقال آخرون: بل المراد الفرائض، لكن مع توجيه الحديث، قال القاري في مرقاة المفاتيح (١٤/ ٣٤٠): (المراد أن يكون الإصلاح في فساد يتفرع عليه سفك الدماء، ونهب الأموال، وهتك الحرم أفضل من فرائض هذه العبادات القاصرة، مع إمكان قضائها على فرض تركها، فهي من حقوق الله التي هي أهون عنده سبحانه من حقوق العباد، فإذا كان كذلك فيصبح أن يقال: هذا الجنس من العمل أفضل من هذا الجنس؛ لكون بعض أفراده أفضل، كالبشر خير من الملك، والرجل خير من المرأة، وانظر: تحفة الأحوذي (٦/ ٦٨).
[ ٣٣ ]