في هذا الحديث الكريم الإشارة بالصلح، وإن كان الحق قد اتجه لأحد الخصمين، وليس هذا من قبيل الصلح الممنوع، ولهذا ترجم البخاري في صحيحه في كتاب الصلح على هذا الحديث: «باب: هل يشير الإمام بالصلح؟»، قال الحافظ ابن حجر: «أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف؛ فإن الجمهور استحبوا للحاكم أن يشير بالصلح، وإن اتجه الحق لأحد الخصمين، ومنع من ذلك بعضهم، وهو عن المالكية» (^١).
قلت: وقد جاء عند ابن حبان ما يبين سبب الخصومة، فقد روى عن عائشة قالت: «دخلت امرأة على النبي ﷺ، فقالت: بأبي وأمي، إني ابتعت أنا وابني من فلان ثمر ماله، فأحصيناه، لا والذي أكرمك بما أكرمك به، ما أحصينا منه شيئا إلا شيئا نأكله في بطوننا، أو نطعم مسكينا رجاء البركة، وجئنا نستوضعه، ما نقصنا، فحلف بالله لا يضع لنا شيئا، فقال النبي ﷺ: «تألى لا يصنع خيرا» ثلاث مرات، قالت: فبلغ ذلك صاحب الثمر، فقال: بأبي وأمي، إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال، فوضع ما نقصوا» (^٢).
المثال الثالث: الإصلاح بين فئتين من المسلمين وحقن دمائهم، سبق أن مر معنا قول النبي ﷺ: «إن ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ» (^٣)، وهو علم من أعلام النبوة، حيث تحقق ذلك عام الجماعة عام واحد وأربعين للهجرة (^٤)، حيث جمع الله فيه شمل الأمة، وحقن دماءها، فله الفضل والمنة،
_________________
(١) انظر: المرجع السابق.
(٢) صحيح ابن حبان (١١/ ٤٠٨) ح (٥٠٣٢).
(٣) سبق ذكر الحديث وتخريجه ص (٥٣).
(٤) انظر تاريخ الأمم والملوك (٦/ ٩٣)، والبداية والنهاية (٨/ ١٨)، والكامل في التاريخ (٣/ ٢٧١).
[ ٤٦ ]
وقد بين ذلك البخاري، فيما رواه عن الحسن البصري، قال: «استقبل - والله- الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو ابن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها، فقال له معاوية - وكان والله خير الرجلين -: أي عمرو، إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس: عبد الرحمن بن سمرة (^١) وعبد الله بن عامر بن كريز (^٢)، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه، فأتياه فدخلا عليه فتكلما، وقالا له فطلبا إليه، فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئًا إلا قالا: نحن لك به، فصالحه، فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (^٣).