قال ابن القيم:
«الصلح نوعان: الأول: الصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله سبحانه ورضى الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا للعدل، فدرجة هذا المصلح أفضل من درجة الصائم القائم (^٣).
_________________
(١) انظر الصحاح (١/ ٣٨٢) مادة (صلح)، ولسان العرب (٢/ ٥١٦) مادة (صلح)، والشرح الممتع على زاد المستقنع (٩/ ٦٤).
(٢) حاشية الروض المربع شرح زاد المستنقع (٥/ ١٢٨)، ونحوه المغني (٤/ ٥٢٧).
(٣) يشير الى قول النبي ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام، والصدقة» قالوا: بلى، قال: «إصلاح ذات البين …» الحديث، وسيأتي ص (٣٩ - ٤٠)، وهذا النوع من الصلح هو الذي سنورد الأدلة على فضله في هذا البحث، انظر: المبحث الثاني والثالث.
[ ٩ ]
والثاني: الصلح الذي يحل الحرام ويحرم الحلال، كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال، أو إحلال بضع حرام، أو إرقاق حر، أو نقل نسب أو ولاء عن محل إلى محل، أو أكل ربا، أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد، أو ظلم ثالث وما أشبه ذلك، فكل هذا صلح جائر مردود» (^١).
ويدل على تحريم هذا الصلح جملة من الأدلة، منها:
١ - قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، فقد أمر الله أن يكون الصلح بالعدل لا بالجور، وأمر بالقسط في ذلك، وأخبر عن محبته للمقسطين العادلين في أحكامهم.
٢ - روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة، وعمرو بن عوف المزني (^٢) أن رسول الله ﷺ قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما» (^٣).
_________________
(١) إعلام الموقعين (١/ ١٠٩).
(٢) هو صاحب رسول الله ﷺ، عمرو بن عوف بن زيد بن ملحة - بكسر أوله ومهملة- بن بكر بن أفرك بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة، أبو عبد الله المزني، صحابي، مات في ولاية معاوية، انظر: تهذيب الكمال (٢٢/ ١٧٣)، وتقريب التهذيب (١/ ٧٤٢).
(٣) أخرجه من حديث أبى هريرة: أبو داود في سننه (٣/ ٣٠٤) ح (٣٥٩٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٠١) ح (٧١٣٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٦٤) ح (١١١٣٢). وأخرجه من حديث عمرو بن عوف المزني: الترمذى في جامعه (٣/ ٦٢٦) ح (١٣٥٢) وقال: «حسن صحيح»، وابن ماجه في سننه (٢/ ٧٨٨) ح (٢٣٥٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٦٥) ح (١١١٣٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٠١) ح (٧١٣٨)، والحديث صحح إسناده: الترمذي، والحاكم، والألباني في صحيح الترمذي (٢/ ٤١) ح (١٠٨٩).
[ ١٠ ]
دل هذا الحديث العظيم أن الأصل في الصلح الجواز، إلا إذا تضمن تحريم حلال أو تحليل حرام؛ فإنه لا يجوز ويكون من الصلح المحرم.
عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني (^١) أنهما قالا: إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه-: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال ﷺ: «قل»، قال: إن ابني كان عسيفًا (^٢) على هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجمَ، فافتديت منه بمائة شاة ووليدةٍ (^٣)، فسألت أهل العلم، فأخبروني أنما على ابني جلدُ مائة وتغريبُ عام، وأن على امرأة هذا الرجمَ، فقال ﷺ: «والذي نفسي بيده، لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردٌ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها (^٤).
وهذا الصلح من الجور، كما ترجم عليه البخاري في كتاب «الصلح» من صحيحه: «باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود».
ووجه الشاهد من هذا الحديث: أنه لما اصطلح هذان الرجلان على إبطال الحدِّ في حق الزانيين رده رسول الله ﷺ، وحكم بينهما بكتاب الله، فجلد البكر منهما وغربه، ورجم المحصن وهي المرأة.
فيجب على من سعى بالصلح بين المسلمين أن يحرص على أن يكون صلحه
_________________
(١) هو صاحب رسول الله ﷺ، زيد بن خالد الجهني المدني، صحابي، شهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، له ٨١ حديثا، توفي في المدينة سنة (٧٨) هـ عن ٨٥ سنة، انظر: الأعلام للزركلي (٣/ ٥٨).
(٢) العسيف: هو الأجير، فتح الباري (١/ ١٥٦).
(٣) هي: الجارية والأمَةِ المملوكة، انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٢٢٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه (٢/ ٩٥٩) ح (٢٥٤٩)، ومسلم في صحيحه (٥/ ١٢١) ح (٤٥٣١)، وانظر: اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (١/ ٥٢٩).
[ ١١ ]
بالعدل وأن يحذر من الجور، والظلم في الصلح، ومن تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، فلا يراعي أحدًا لجاهه أو ماله أو مكانته على حساب خصمه، حتى ينال الأجر العظيم الذي أعدَّه الشارع على الإصلاح.
قلت: وما ذكره ابن القيم في النوع الأول - وهو الصلح الجائز المشروع- قد قسمه العلماء إلى خمسة أنواع:
النوع الأول: الصلح بين المسلمين وأهل الحرب، كما في صلح الحديبية بين النبي ﷺ وأصحابه وبين كفار قريش (^١).
النوع الثاني: صلح بين أهل العدل وأهل البغي من المسلمين، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] (^٢).
النوع الثالث: صلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]) (^٣).
النوع الرابع: إصلاح بين متخاصمين في غير المال، كإصلاح النبي ﷺ بين أناس من بني عمرو بن عوف في خصومة كانت بينهم (^٤).
النوع الخامس: إصلاح بين متخاصمين في الأموال، كإصلاحه بين المتخاصمين في الدين بأن يضع أحدهما نصفه ويوفيه الآخر حقه (^٥). (^٦)
_________________
(١) انظر الحديث مع تخريجه فيما سيأتي ص (٦٥ - ٦٦).
(٢) انظر الآية مع شرحها فيما سيأتي ص (٢٨) وما بعدها.
(٣) انظر الآية مع شرحها فيما سيأتي ص (٣٧) وما بعدها.
(٤) انظر الحديث مع تخريجه فيما سيأتي ص (٦٤).
(٥) انظر الحديث مع تخريجه فيما سيأتي ص (٥٨).
(٦) شرح الزركشي على الخرقي (٥/ ١٠٣)، المبدع في شرح المقنع (٤/ ٢٧٨)، وحاشية الروض المربع شرح زاد المستنقع (٥/ ١٢٩)
[ ١٢ ]