دلت الآية الكريمة على أهمية الإصلاح، وفضله، والحث عليه، من عدة وجوه:
الوجه الأول: تخصيص الإصلاح بين الناس بالذكر مع إنه داخل في عموم المعروف المذكور قبله في الآية، وهذا يدل على فضله وأهميته.
قال ابن عطية: «والمعروف لفظ يعم الصدقة والإصلاح، ولكن خُصَّا بالذكر اهتمامًا بهما، إذ هما عظيما الغناء في مصالح العباد» (^٢).
وقال البقاعي (^٣): «ولما كان إصلاح ذات البين أمرًا جليلًا، نبه على عظمه بتخصيصه بقوله: ﴿أو إصلاح بين الناس﴾» (^٤).
وقال ابن رجب: «فنفى الخير عن كثيرٍ ممّا يتناجى الناسُ به إلاَّ في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة، والإصلاح بين النَّاس؛ لعموم نفعهما،
_________________
(١) تفسير الطبري (٧/ ٤٨١ - ٤٨٢).
(٢) المحرر الوجيز (٣/ ٢٣).
(٣) هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط - بضم الراء وتخفيف الباء - بن علي بن أبي بكر البقاعي، أبو الحسن برهان الدين، مؤرخ، أديب، ولد سنة (٨٠٩) هـ، أصله من البقاع في سورية، وسكن دمشق، ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة، وتوفي بدمشق سنة (٨٨٥) هـ، له: «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور» وغيره.
(٤) نظم الدرر للبقاعي (٥/ ٤٠٠).
[ ١٤ ]
فدل ذلك على أن التَّناجي بذلك خيرٌ» (^١).
الوجه الثاني: جعل الله الإصلاح بين الناس والأمر بالصدقة والمعروف خيرًا ولو لم يبتغ الفاعل به وجه الله، وهذا دليل على عموم نفعه وفضله، فمتى وجد حصل به خير.
قال ابن رجب: «وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا، وإن لم يبتغ به وجه الله؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي فيحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيرًا له وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرًا له ولا ثواب له عليه) (^٢).
الوجه الثالث: إفادة العموم في قوله تعالى: ﴿أو إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ من جهتين:
الأولى: من جهة من يُصلَح بينهم، فعم جميع الناس، ولم يخص أحدا دون أحد. والثانية: من جهة ما يُصلَح به، فلم يخص امرأً دون غيره، فهو شامل للإصلاح في الأموال، والدماء، والأعراض، والأديان وغيرها، فهذا العموم يدل على رغبة الشارع في الإصلاح وتطلعه إليه.
قال القرطبي: «﴿أو إصلاح بين الناس﴾ عام في الدماء، والأموال، والأعراض، وفي كل شئ يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى» (^٣).
الوجه الرابع: الإتيان بضمير الإشارة الدال على البعيد في قوله: ﴿ومن يفعل ذلك﴾ مع قرب العهد به يدل على علو مكانةِ الإصلاح وما ذكر معه، ورفعةِ شأنه.
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (١/ ٦٧).
(٢) انظر: المرجع السابق.
(٣) تفسير القرطبي (٥/ ٣٨٤)
[ ١٥ ]
قال أبو السعود: «﴿ومن يفعل ذلك﴾ إشارة إلى الأمور المذكورة، أعني الصدقة والمعروف، والإصلاح؛ فإنه يشار به إلى متعددٍ، وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بها للإيذان ببعد منزلتها ورفعة شأنها» (^١).
الوجه الخامس: عظم ثواب الإصلاح بين الناس وكثرته يدل على فضله، ويحث على فعله.
قال الطبري: «﴿فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا﴾ يقول: فسوف نعطيه جزاءً لما فعل من ذلك أجرًا عظيمًا، ولا حدَّ لمبلغ ما سمى الله ﴿عظيمًا﴾ يعلمه سواه» (^٢).