دلت الآية على الحث على الإصلاح وبيان فضله من عدة وجوه:
الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا﴾ حيث نفى الإثم عن الزوجين فيما تصالحا عليه، ولو كان في الصلح ترك، أو إسقاط بعض الحقوق الواجبة، مع أن الأصل لزوم الحقوق الواجبة، ومثل هذا الصلح جائز بإلاجماع (^٢)، قال السعدي موضحًا ذلك:
«أي: إذا خافت المرأة نشوز زوجها، أي: ترفعه
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٣٠٥ - ٣٠٧).
(٢) ذكره العيني في عمدة القاري (١٤/ ١٨٠).
[ ١٨ ]
عنها، وعدم رغبته فيها وإعراضه عنها، فالأحسن في هذه الحالة: أن يصلحا بينهما صلحا، بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها، على وجه تبقى مع زوجها، إما أن ترضى بأقل من الواجب لها من النفقة، أو الكسوة، أو المسكن، أو القسم، بأن تسقط حقها منه، أو تهب يومها وليلتها لزوجها أو لضرتها، فإذا اتفقا على هذه الحالة فلا جناح ولا بأس عليهما فيها، لا عليها ولا على الزوج، فيجوز حينئذ لزوجها البقاء معها على هذه الحال، وهي خير من الفرقة» (^١).
قلت: ويدل على فضل مصالحة المرأة لزوجها ولو بترك بعض حقها: ما ثبت في سبب نزول هذه الآية: أنها في مصالحة أم المؤمنين سودة (^٢) للنبي ﷺ، حينما وهبت يومها لعائشة، كما رواه الترمذي وأبو داود الطيالسي عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها النبي ﷺ، فقالت: لا تطلقني وأمسكني وأجعل يومي لعائشة، ففعل، فنزلت: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾ (^٣).
الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿صلحا﴾، فكلمة ﴿صلحا﴾ مصدر مؤكد، يؤكد
_________________
(١) تفسير السعدي (١/ ٤١٨).
(٢) هي أم المومنين سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس، من لؤي، من قريش، إحدى أزواج النبي ﷺ، كانت في الجاهلية زوجة السكران بن عمرو بن عبد شمس، وأسلمت، ثم أسلم زوجها، وهاجرا إلى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عادا إلى مكة، فتوفي السكران، فتزوجها النبي ﷺ بعد خديجة، وتوفيت سنة ٥٤ هـ في المدينة النبوية، الإصابة في تمييز الصحابة (٧/ ٧٢٠)، والإعلام للزركلي (٣/ ١٤٥).
(٣) رواه الطيالسي في مسنده (٤/ ٤٠٣) ح (٢٨٠٥)، والترمذي في سننه (٥/ ٢٤٩) ح (٣٠٤٠)، وقال: «حسن غريب»، وحسنه ابن حجر في الإصابة (٧/ ٧٢٠)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣/ ٤٤) ح (٢٤٣٤).
[ ١٩ ]
الصلح، ويحث عليه، ويرغب فيه (^١).
الوجه الثالث: إخباره جل وعلا بأن الصلح خير، وإطلاق ذلك، قال ابن عطية: «وقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ لفظ عام مطلق يقتضى أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق» (^٢).
وقال الطاهر بن عاشور: وقد دلت الآية على شدة الترغيب في هذا الصلح بمؤكدات ثلاثة: وهي المصدر المؤكد في قوله: ﴿صلحا﴾، والإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿والصلح خير﴾، والإخبار عنه بالمصدر أو بالصفة المشبهة فإنها تدل على فعل سجية» (^٣).
وقال السعدي: «﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ .. والمعنى: أن الصلح بين مَنْ بينهما حق أو منازعة في جميع الأشياء أنه خير من استقصاء كل منهما على كل حقه؛ لما فيها من الإصلاح وبقاء الألفة والاتصاف بصفة السماح، وهو جائز في جميع الأشياء، إلا إذا أحلّ حرامًا أو حرّم حلالًا، فإنه لا يكون صلحًا، وإنما يكون جورا ..»، ثم قال:
«ونبه على أنه خير، والخير كل عاقل يطلبه ويرغب فيه، فإن كان - مع ذلك- قد أمر الله به، وحثّ عليه، ازداد المؤمن طلبًا له ورغبة فيه» (^٤).
الوجه الثالث: الإظهار في موضع الإضمار (^٥)، حيث أظهر كلمة «الصلح» في قوله: ﴿والصلح خير﴾، ولم يكن عنه بالضمير، وهذا يدل على الحث على
_________________
(١) قاله ابن عاشور في التحرير والتنوير (٥/ ٢١٧)، وسيأتي ذكره قريبا.
(٢) المحرر الوجيز (٣/ ٣٧).
(٣) التحرير والتنوير (٥/ ٢١٧).
(٤) تفسير السعدي (١/ ٤١٨).
(٥) أشار إليه الطاهر بن عاشور، كما مر قريبا.
[ ٢٠ ]
الإصلاح والتأكيد عليه.
الوجه الرابع: حثه على الصلح، بقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، حيث جعله مع التقوى سببا للمغفرة والرحمة، كما يشير إلى ذلك ختم الآية بقوله: ﴿فإن الله كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.