في هاتين الآيتين يوجه الله عباده المؤمنين إلى ما يجب فعله، حينما تقتتل طائفتان من أهل الأيمان، وذلك بأن يبدؤوا بينهم أولًا بالإصلاح، فإن أبت إحداهما على البغي؛ فإنها تقاتل، حتى ترجع إلى الحق، فيصلح بينهما بالقسط والعدل، ثم بين أن المؤمنين إخوة، وما داموا كذلك فالواجب الإصلاح بينهم، وعدم الاقتتال والنزاع.
يقول الطبري ﵀ ملخصًا معنى الآيتين:
«يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل،
_________________
(١) فتح القدير (٢/ ٣٠٠).
[ ٢٣ ]
﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى﴾ يقول: فإن أبَت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله لها وعليها، وتعدّت ما جعل الله عدلًا بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما، ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ يقول: فقاتلوا التي تتعدَّى، وتأبى الإجابةَ إلى حكم الله ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه، ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها ﴿بالعدل﴾: يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه ..»، ثم قال:
«وقوله: ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ يقول تعالى ذكره: واعدلوا أيها المؤمنون في حكمكم بين من حكمتم بينهم، بأن لا تَجاوَزوا في أحكامكم حكمَ الله وحكمَ رسوله ﷺ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ من خلقه، يقول: إن الله يحب العادلين في أحكامهم، القاضين بين خلقه بالقسط ..» إلى أن قال:
«يقول تعالى ذكرُه لأهل الإيمان به: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ إذا اقتتلا، بأن تحملوهما على حكم الله وحكم رسوله، ومعنى الأخوين في هذا الموضع: كل مقتتلَين من أهل الإيمان .. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول تعالى ذكرُه: وخافوا الله أيها الناس بأداء فرائضه عليكم، في الإصلاح بين المقتتلين من أهل الإيمان بالعدل، وفي غير ذلك من فرائضه، واجتناب معاصيه؛ ليرحمكم ربكم، فيصفح لكم عن سالف إجرامكم إذا أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، واتقيتموه بطاعته» (^١).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢١/ ٣٥٧ - ٣٦٤).
[ ٢٤ ]