كان عدد الجيش في غزوة أحد سبعمائة فرد وكان على رأسهم الرسول ﷺ، وكبار الصحابة، وبدأت المعركة وحقق الجيش المسلم انتصارًا باهرًا بعون من الله ﷿، ثم حدث من الرماة ما حدث من مخالفة أمر الرسول ﷺ بعدم مغادرة أماكنهم أعلى الجبل -مهما حدث- إلا بإذنه ..
هنا تحولت الريح لتكون مع الكافرين، وأذن الله لهم أن يهزموا المسلمين ويقتلوا منهم سبعين رجلًا، وكان من بينهم أسد الله حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعبد الله ابن جحش، وسعد بن الربيع، وأنس بن النضر، وغيرهم من كبار الصحابة - ﵃ أجمعين- وفوق هذا كله أصيب الرسول ﷺ إصابات بالغة .. كل ذلك لم يكن بسبب قوة الكفار، ولكن بسبب مخالفة الرماة لأمر من أوامر الرسول ﷺ.
ولكن كم كانت تبلغ نسبة الرماة الذين غادروا أماكنهم بالمقارنة بعدد الجيش حتى تكون مخالفتهم هي السبب في هذه المصيبة العظيمة التي وقعت؟
لقد كان عدد الذين خالفوا من الرماة أربعين رجلًا، وكان إجمالي عدد الجيش سبعمائة، أي أن نسبتهم لم تتجاوز ستة بالمائة من إجمالي العدد!!
ولكن ألا توافقني - أخي القارئ - أنها نسبة ضئيلة مقارنة بالغالبية الملتزمة بالأوامر؟!
نعم، هي كذلك ولكن الأمر عند الله لا يقاس بهذه الطريقة وخاصة فيما يتعلق بأصحاب الدعوات.
_________________
(١) صحيح الجامع الصغير.
[ ٤ ]
وبعد انتهاء المعركة بدأت التساؤلات تسري بين الصحابة عن أسباب هذا الانكسار وهذه المصيبة التي لم يعهدوها من قبل، فكان الرد القرآني الحاسم بأن السبب الذي استدعى هذا كله هو: من عند أنفسكم ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
فتعلم الجميع الدرس، وتعاملوا مع الأحداث بعد ذلك من هذا المنطلق، فها هو عمر بن الخطاب يودع سعد بن أبى وقاص ﵄ قبل سفر الجيش لملاقاة الفرس في القادسية فكان مما قاله له: «وآمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسًا منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليكم من عدوكم».
اتهام النفس أولًا:
من هنا يتأكد لنا بأن أهم سبب لوقوع الابتلاء هو الذنوب والتقصير والمخالفات من جانب أبناء الدعوة وإن كانت قليلة إلى المجموع.
لابد أن تكون هذه الحقيقة من البدهيات التي ينبغي أن ترسخ في أذهاننا وتُستدَعى سريعًا وقت حدوث الابتلاء.
ولنا في رسول الله ﷺ أفضل الأسوة في ذلك، فبعد خروجه من الطائف، وابتلائه الشديد فيها بصورة لم يسبق لها مثيل، فإن أول ما تبادر لذهنه ﷺ بأن يكون قد حدث منه شيء استدعى غضب الله فتمثل في هذا الابتلاء .. تأمل معي ما ناجى به ربه وهو في طريق عودته من الطائف: «إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، لكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبي حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».