قد يتبادر للذهن تساؤل يقول: ولماذا يبتلى الأنبياء وهم خيرة الخلق وأحباء الله وأصفياؤه؟!
يجيب عن هذا السؤال القاضي عياض في كتابه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ، فيقول:
فإن قيل: فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدّتها
عليه ﷺ وعلى غيره من الأنبياء على جميعهم السلام؟ وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء، وامتحانهم بما امتُحنوا به، كأيوب ويعقوب ودانيال، ويحيى، وزكريا، وإبراهيم، ويوسف، وغيرهم، صلوات الله عليهم، وهم خيرته من خلقه وأحباؤه وأصفياؤه.
فاعلم - وفقنا الله وإياك- أن أفعال الله تعالى كلها عدل، وكلماته جميعها صدق، لا مبدل لكلماته، يبتلي عباده كما قال تعالى لهم: ﴿لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤].
فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم، ورفعة في درجاتهم، وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضا، والشكر والتسليم، والتوكل، والتفويض، والدعاء، والتضرع منهم، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين، والشفقة على المبتلين، وتذكرة لغيرهم، وموعظة لسواهم ليتأسَّوا في البلاء بهم، فيتسلوا في المحن بما جرى عليهم، ويقتدوا بهم في الصبر، ومحوٌ لَهنَّاتٍ فرطت منهم، أو غفلات سلفت لهم، ليلقوا الله طيبين مُهذّبين، وليكون أجرهم أكمل، وثوابهم أوفر وأَجْزل (١).