هذه الصفة لم يرد عن النبي ﷺ ما يدل على جوازها صراحة، ولهذا اختلف العلماء في جوازها على قولين:
الأول: ذهب إبراهيم النخعي، وابن سيرين، وابن العربي إلى منعها (^٣).
الثاني: ذهب الجمهور إلى جوازها.
واستدل الجمهور على جوازها بما يلي:
١ - ما رواه ابن أبي شيبة، وابن السني عن ابن عباس، قَالَ: إِذَا عَسِرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَدُهَا، فَيَكْتُبُ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وَالْكَلِمَاتِ فِي صَحْفَةٍ، ثُمَّ تُغْسَلُ، فَتُسْقَى مِنْهَا: «بِسْمِ اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ
_________________
(١) هو صاحب رسول الله ﷺ، ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، الخزرجي، خطيب الأنصار، من كبار الصحابة، بشره النبي ﷺ بالجنة، واستشهد باليمامة، فنفذت وصيته بمنام رآه خالد بن الوليد، انظر: التقريب ص (١٨٦).
(٢) رواه البخاري في التاريخ الكبير: (٨/ ٣٧٧) ح (٣٣٨٧)، وأبو داود في سننه: (٤/ ١٠) ح (٣٨٨٥)، والنسائي في السنن الكبرى: (٩/ ٣٧٤) ح (١٠٧٨٩)، والطبراني في الكبير: (٢/ ٧١) ح (١٣٢٣)، وابن حبان في صحيحه: (١٣/ ٤٣٢) ح (٦٠٦٩)، وصححه، وحسن إسناده شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز في مجموع الفتاوى: (٨/ ٩٤).
(٣) انظر مصنف ابن أبي شيبة: (٥/ ٤٠، ٣٩)، وشرح السنة للبغوي: (١٢/ ١٦٦)، وعارضة الأحوذي: (٨/ ٢٢٢)، وزاد المعاد في هدي خير العباد: (٤/ ٣٥٧).
[ ٤٢ ]
السَّبْعِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً، أَوْ ضُحَاهَا﴾ [سورة النازعات: ٤٦]
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾» [الأحقاف: ٣٥] (^١).
قلت: وهذا الأثر ضعيف؛ لأن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو صدوق سيء الحفظ جدًا، كما قال ابن حجر في التقريب (^٢).
٢ - وروى ابن أبي شيبة عن ليث ومجاهد: أنهما لم يريا باسًا أن يكتب آية من القرآن، ثم يسقاه صاحب الفزع (^٣).
وهذا القول هو: الراجح، ويستدل له بما يلي:
١ - أن الله وصف القرآن بأنه شفاء، فكيفما استعمل في غير صفة محرمة فهو جائز، وكتابته ومحوه من ذلك الجائز.
٢ - أن الأصل في التداوي: الحل والإباحة، كما قال النبي ﷺ:
«… عباد الله تداووا، فإن الله ﷿ لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد»، قالوا: ما هو؟ قال: «الهرم» (^٤).
٣ - أنه فعله جمع من السلف كمجاهد، والليث، وسعيد بن جبير، والإمام
_________________
(١) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة: (٢٣١) ح (٦٢٤)، وابن أبى شيبة في المصنف: (٥/ ٣٩) ح (٢٣٥٠٨).
(٢) التقريب: (٨٧١).
(٣) رواه عنهما ابن أبى شيبة في المصنف: (٥/ ٤٠) ح (٢٣٥١٠).
(٤) رواه أحمد في مسنده: (٣٠/ ٣٩٥) ح (١٨٤٥٤)، وأبو داود في سننه (٤/ ٣) ح (٣٨٥٥)، والترمذي في سننه: (٤/ ٣٨٣) ح (٢٠٣٨)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة: (٢/ ٢٥٢) ح (٣٤٣٦).
[ ٤٣ ]
أحمد، والقاضي عياض (^١) وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم وغيرهم (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئ من كتاب الله وذكره بالمداد المباح، ويغسل، ويسقى، كما نص على ذلك أحمد وغيره» (^٣).
وقال ابن القيم: «ورخص جماعة من السلف في كتابة بعض القرآن وشربه، وجعل ذلك من الشفاء الذي جعل الله فيه» (^٤).
وقالت اللجنة الدائمة بالمملكة العربية السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز في جوابها على هذه المسألة بقولها:
«أما كتابة الآيات بماء الورد والزعفران ونحو ذلك، ثم غمرها في الماء وشربها، أو القراءة على العسل واللبن ونحوها ودهن الجسم بالمسك وماء الورد المقروء عليه آيات قرآنية فلا بأس به، وعليه عمل السلف الصالح» (^٥).
قلت: وهذه الصفة وإن كانت جائزة فتركها أولى؛ لأن فيما ثبت عن النبي ﷺ غنية وكفاية عما لم يثبت عنه.
قال الشيخ صالح الفوزان: «أما كتابة الآيات في ورقة، ثم تمحى هذه الورقة في ماء ويشربها المريض فهذا رخص فيه كثير من العلماء قياسًا على ما ورد، وأخذًا لعموم الاستشفاء بالقرآن الكريم؛ لأن الله أخبر أنه شفاء فلا بأس به- إن
_________________
(١) انظر: إكمال المعلم (٧/ ١٠١).
(٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبه: «٥/ ٤٠، ٣٩)، وزاد المعاد في هدي خير العباد: (٤/ ٣٥٧)، والآداب الشرعية: (٢/ ٤٥٦)، وأورد نقولا عن عدة من السلف في فعل ذلك، ونحوه أحكام الرقى والتمائم ص (٦٦) وما بعدها.
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية: (١٩/ ٦٤).
(٤) زاد المعاد في هدي خير العباد: (٤/ ٣٥٨).
(٥) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة- المجموعة الثانية- (١/ ٩٧).
[ ٤٤ ]