لقد دل هذا الحديث العظيم بطريقيه على مشروعية الاستشفاء بالقرآن الكريم من عدة وجوه:
الأول: قراءة أبي سعيد ﵁ سورة الفاتحة على اللديغ، وشفاؤه من أثر اللدغ، حتى إنه قام وكأنما نشط من عقال، وهذا يدل على سرعة تأثير هذه السورة العظيمة على المريض، وأن القرآن شفاء.
الثاني: إقرار النبي ﷺ لأبي سعيد على ذلك بقوله: «وما يدريك أنها رقية».
الثالث: تصويب النبي ﷺ وتحسينه لفعل الصحابة ذلك بقوله: «أصبتم»، وفي لفظ: «أحسنتم» (^١).
الرابع: طلب النبي ﷺ من الصحابة أن يقسموا له من الجعل يدل على تمام حله، ومشروعية السبب الذي حصل به الجعل، وهو الرقية بكتاب الله.
الخامس: فهم أبي سعيد جواز الرقية بكتاب الله، مع أنه لم يكن لديه علم بجوازها حين قام بها، بدليل جوابه للنبي ﷺ لما سأله بقوله: «وما يدريك أنها رقية؟»، فقال: «شيء نفث في روعي» (^٢)، وعند ابن حبان: «قلت: يا رسول الله ما دريت أنها رقية، شيء ألقاه الله في نفسي» (^٣).
_________________
(١) كما عند أبي داود في سننه: (٣/ ٢٦٥) ح (٣٤١٨)، والبيهقي في السنن الكبرى: (٦/ ١٩٩) ح (١٢٤٨١).
(٢) كما في مسند أحمد: (١٨/ ٥٠) ح (١١٤٧٢)، وسنن الدارقطني: (٣/ ٦٤)، وقوله: «روعي» بضم الراء، أي: في خلدي ونفسي، انظر: شرح الحديث المقتفى في مبعث النبي المصطفى: (١/ ٧٢).
(٣) صحيح ابن حبان: (١٣/ ٤٧٧) ح (٦١١٢).
[ ٢٤ ]
السادس: قول النبي ﷺ: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» عند إخبار الصحابة له بأخذ الجعل على القراءة دليل بين وواضح في مشروعية الاستشفاء بالقرآن الكريم، وهذا إقرار من النبي ﷺ لهم على ذلك، بل قد فهم جمهور أهل العلم (^١) من هذا الحديث جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، واستدلوا به على ذلك، فكيف بالأمر الذي كان سببا لقول النبي ﷺ هذا، وهو أخذ الأجرة على الرقية بكتاب الله.
السابع: قول النبي ﷺ للصحابة -كما في حديث ابن عباس ﵁ لما أخبروه بأخذ الجعل-: «خذوا منهم» (^٢)، فأمره دليل على مشروعية أخذ الجعل، ومشروعية فعل ما كان سببا له، وهي الرقية بالفاتحة.
قال ابن حبان: «قوله ﷺ: «خذها» أراد به جواز ذلك الشيء المأخوذ مع جواز استعماله في المستقبل؛ لأن الشاء أخذها الراقي قبل أن يأتي النبي ﷺ، ثم سأل بعد ذلك، فقال له النبي ﷺ: «خذها»، أراد به جواز فعل الماضي والمستقبل معا» (^٣).
الثامن: ضحك النبي ﷺ لما أخبروه بأخذ الجعل، وقوله عند ذلك: «وما يدريك أنها رقية» (^٤) إقرار منه لذلك، والإقرار على أخذ الجعل دليل على مشروعية ما حصل أخذ الجعل بسببه، وهو الاستشفاء بالقرآن.
التاسع: قول الصحابة: «فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنَّا، مَا كُنَّا نَظُنُّهُ يُحْسِنُ رُقْيَةً» (^٥) ظاهر
_________________
(١) قاله الحافظ ابن حجر في الفتح: (٤/ ٥٣٠)، والنووي في شرحه لمسلم: (١٤/ ١٨٨).
(٢) كما عند مسلم في صحيحه: (٤/ ١٧٢٧) ح (٢٢٠١).
(٣) انظر صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان: (١٣/ ٤٧٦).
(٤) كما في رواية البخاري التي أوردها في كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب، انظر الفتح: (١٠/ ٢٠٨) ح (٥٧٣٦).
(٥) كما عند مسلم: (٤/ ١٧٢٨)، وعند غيره: (ما كنا نأبنه)، وهما بمعنى واحد.
[ ٢٥ ]
أنهم يظنون به عدم معرفة الرقية، ومع ذلك لم ينكروا عليه اجتهاده بقراءة سورة الفاتحة على المريض، فدل على أن الاستشفاء بكتاب الله متقرر عندهم كما هو ظاهر القرآن.
يقول ابن القيم ﵀ في معرض تقريره للاستشفاء بفاتحة الكتاب بعد أن ذكر هذا الحديث:
«فما الظنُّ بفاتحة الكتاب التي لم يُنزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزَّبور مِثلُها، المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أُصول أسماء الرب تعالى ومجامعها، وهى: الله، والرَّب، والرحمن، وإثبات المعاد، وذكرِ التوحيدين: توحيدِ الربوبية، وتوحيدِ الإلهية، وذكر الافتقار إلى الربِّ سُبحانه في طلبِ الإعانة وطلب الهداية، وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعِهِ وأفرَضِه، وما العبادُ أحوج شيء إليه، وهو الهدايةُ إلى صِراطه المستقيم، المتضمن كمالَ معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمرَ به، واجتنابِ ما نَهَى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات، ويتضمن ذِكْر أصنافِ الخلائق وانقسامهم إلى مُنْعمٍ عليه بمعرفة الحق، والعمل به، ومحبته، وإيثاره، ومغضوب عليه بعدُوله عن الحق بعد معرفته له، وضال بعدم معرفته له، وهؤلاء أقسامُ الخليقة مع تضمنها لإثبات القَدَر، والشرع، والأسماء، والصفات، والمعاد، والنبوات، وتزكيةِ النفوس، وإصلاح القلوب، وذكر عدل الله وإحسانه، والرَّدِّ على جميع أهل البدع والباطل … وبالجملة: فما تضمنته الفاتحةُ مِنْ إخلاص العبودية والثناء على اللهِ، وتفويضِ الأمر كُلِّه إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النِّعَم كُلِّها، وهى الهداية التي تجلبُ النِّعَم، وتدفَعُ النِّقَم، من أعظم الأدوية الشافية الكافية» (^١).
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد: (٤/ ١٧٧ - ١٧٨).
[ ٢٦ ]