ينادي الله ﷿ عباده بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فعم جميع الخلق؛ لأن هذا القرآن مخاطب به الجميع ومأمور بالعمل بما فيه، فهو موعظة للجميع، ولا يختص به أهل الإيمان دون غيرهم.
ثم أخبر أنه ﴿موعظة﴾ أي: عظة وتذكرة من الله لعباده، يتذكر بها الموفقون، وأنه ﴿شفاء﴾ والشفاء: ما يبرئ السقم.
﴿لما في الصدور﴾: وهي القلوب، فهو شفاء لها من الجهل، والغي، والشبهات، والشهوات.
﴿وهدى﴾: يهتدى به من الضلالة.
﴿ورحمة للمؤمنين﴾: وخص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم هم المنتفعون به دون من سواهم.
يقول الطبري مبينا معنى الآية: «يقول تعالى ذكره لخلقه: ﴿يا أيها الناس قد
[ ١٠ ]
جاءتكم موعظة من ربكم﴾ يعني: ذكرى تذكِّركم عقابَ الله، وتخوِّفكم وعيده، ﴿من ربكم﴾ يقول: من عند ربكم، لم يختلقها محمد ﷺ، ولم يفتعلها أحدٌ، فتقولوا: لا نأمن أن تكون لا صحةَ لها، وإنما يعني بذلك - جلّ ثناؤه- القرآنَ، وهو الموعظة من الله.
وقوله: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ يقول: ودواءٌ لما في الصدور من الجهل يشفي به الله جهل الجهال، فيبرئ به داءهم، ويهدي به من خلقِه من أراد هدايته به، ﴿وَهُدى﴾ يقول: وهو بيانٌ لحلال الله وحرامه، ودليلٌ على طاعته ومعصيته، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يرحم بها من شاء من خلقه، فينقذه به من الضلالة إلى الهدى، وينجيه به من الهلاك والردى، وجعله ﵎ رحمة للمؤمنين به دون الكافرين به؛ لأن من كفر به فهو عليه عمى، وفي الآخرة جزاؤه على الكفر به الخلود في لظى» (^١).
ويقول ابن كثير ﵀:
«يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: زاجر عن الفواحش، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشبه والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس، ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ أي: يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى، وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤] (^٢).
ويزيد السعدي ﵀ معنى الآية إيضاحًا وبيانًا، فيقول:
«﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ «وهو هذا القرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد
_________________
(١) تفسير الطبري: (١٢/ ١٩٣ - ١٩٤).
(٢) تفسير ابن كثير: (٧/ ٣٧٠).
[ ١١ ]
للشرع، وأمراض الشبهات القادحة في العلم اليقيني؛ فإن ما فيه من المواعظ، والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة، وإذا وجدت فيه الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، ونمتا على تكرر ما يرد إليها من معاني القرآن أوجب ذلك تقديم مراد الله على مراد النفس، وصار ما يرضي الله أحب إلى العبد من شهوة نفسه، وكذلك ما فيه من البراهين والأدلة التي صرَّفها الله غاية التصريف، وبينها أحسن بيان، مما يزيل الشبه القادحة في الحق، ويصل به القلب إلى أعلى درجات اليقين، وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب العافية تبعته الجوارح كلها؛ فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده.
﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فالهدى: هو العلم بالحق والعمل به، والرحمة: هي ما يحصل من الخير، والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به، فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين، وإذا حصل الهدى وحلت الرحمة الناشئة عنه حصلت السعادة، والفلاح، والربح، والنجاح، والفرح، والسرور» (^١).