لقد أخبر الله في هذه الآية أن القرآن شفاء لما في الصدور، وهي القلوب، وهي محل الشبهات، والشهوات، والجهل، والهموم، والغموم من الإنسان، والإنسان مركب على قلبه صلاحًا وفسادًا، وفي إخبار الله بذلك عن القرآن دليل على شرعية الاستشفاء به، من كل ما يعرض للقلب، فعلى من رام شفاء قلبه أن يقبل على هذا القرآن تلاوةً وعملًا واستشفاءً، فهو شفاء محض لا تشوبه شائبة.
ومن النكت اللطيفة في الآية: أن الله وصف القرآن بأنه شفاء، ولم يصفه بأنه دواء، وهذا يدل على تحقق حصول النتيجة عند الاستشفاء به، وهي زوال الداء
_________________
(١) أضواء البيان: (١/ ٤٥).
[ ١٤ ]
بخلاف الدواء؛ فإنه قد يحصل به الشفاء وزوال الداء، وقد لا يحصل، فالحمد لله على منه، وكرمه، وجعله كلامه بين أيدينا، نقرأه ونستشفي به متى شئنا، لا يحول بيننا وبينه أحد.
قال ابن القيم ﵀ في تقرير شفاء القرآن:
«فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به بصدق وإيمان وقبول تام، واعتقاد جازم واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدا.
وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء؟ الذي لو نزل على الجبال لصدعها وعلى الأرض لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه، وسببه، والحمية منه، لمن رزقه الله فهما في كتابه، وأما الأدوية القلبية، فإنه يذكرها مفصلة، ويذكر أسباب أدوائها وعلاجها، قال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]، فمَن لم يَشْفِه القرآن، فلا شفاه الله، ومَن لم يَكفِه، فلا كفاه الله» (^١).