لقد اختص الله المؤمنين بكون القرآن لهم هدى، وشفاء، ورحمة؛ لأنهم هم الذين يؤمنون به، ويعملون بما فيه، ويهتدون بهديه، ويتعظون بمواعظه، وأما الكفار فإنهم لما أعرضوا عنه، وكفروا به، حرموا هدايته وما فيه من الخير، كما بين ذلك أهل التفسير.
قال قتادة: «جعل الله هذا القرآن هدى وبشرى للمؤمنين؛ لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه، ووعاه، وانتفع به، واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي
_________________
(١) تفسير السعدي: (٢/ ٣٢٦).
[ ١٢ ]
وعده فيه، وكان على يقين من ذلك» (^١).
وقال الطبري: «فإن قال لنا قائل: أو ما كتاب الله نورًا إلا للمتقين، ولا رشادًا إلا للمؤمنين؟
قيل: ذلك كما وصفه ربنا ﷿، ولو كان نورًا لغير المتقين، ورشادًا لغير المؤمنين لم يخصص الله ﷿ المتقين بأنه لهم هدى، بل كان يعم به جميع المنذرين، ولكنه هدى للمتقين، وشفاء لما في صدور المؤمنين، ووقر في آذان المكذبين، وعمي لأبصار الجاحدين، وحجة لله بالغة على الكافرين، فالمؤمن به مهتد، والكافر به محجوج» (^٢).
ويقول الفخر الرازي: «فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟
الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك؛ لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب، فهو كقوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ [البقرة: ٢]
والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين؛ وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم، وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين؛ فلهذا خصهم الله به» (^٣).
وقد بين الأمين الشنقيطي ﵀ الآيات الدالة على اختصاصه بالمؤمنين، فقال:
«صرح في هذه الآية (^٤) بأن هذا القرآن ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾، ويفهم من مفهوم
_________________
(١) رواه عنه ابن جرير في تفسيره: (٢/ ٣٠٠)، وابن ابي حاتم في تفسيره: (١/ ١٨١) عند تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧]، وأورده السيوطي في الدر المنثور: (١/ ٢٢٤).
(٢) تفسير الطبري: (١/ ٢٣٤).
(٣) التفسير الكبير للرازي: (٣/ ٢١٣).
(٤) يعني بذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢].
[ ١٣ ]
الآية أعني: مفهوم المخالفة، المعروف بدليل الخطاب: أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ [فصلت: ٤٤]، وقوله ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقوله ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤] الآيتين» (^١).
وبهذا يتبين وجه اختصاص أهل الإيمان بالقرآن اهتداء به، واستشفاء به، وعملا بما فيه، ولله الحمد والمنة على ذلك.