قال الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا. ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا. وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا.).
واختلف في ورودها فقيل هو الدخول فيها وهي خامدة فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم وقيل هو الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها وصححه النووي ﵀.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أو حذيفة بعد ما ذكر حديث الشفاعة التي لجأ الناس إليه ﷺ فيها وهي الإراحة من الموقف والفصل بين العباد قال فيأتون محمدًا فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتنبي الصراط يمنًا وشمالًا فيمر أولكم كالبرق ثم كمر الطير وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول رب سلم ربِّ سلَّم حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفًا قال: وفي حافظتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت فمخدوش ناج ومكدوس في النار والذي نفس أبي هريرة إن قعر جهنم لسبعون خريفًا.
قال في إكمال العلم تفسير الحديث الآخر: " إن الصخرة العظيمة لتلقى في شفير جهنم فتهوى فيها سبعون عامًا حتى تفضي إلى قرارها ".
وفي صحيح البخاري قال: رسول الله ﷺ " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت
[ ٥١ ]
بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى لمنزلة في الجنة منه لمنزلة كان في الدنيا.
وفي رسالة القشيري قال معاذ بن جبل: إن المؤمن لا يطمئن قلبه ولا تسكن روعته، حتى يخلف جسر جهنم.
وكان أبو ميسرة ﵁، إذ أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل ما يبكيك؟ فقال: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنا صادرون عنها.
وبكى عبد الله بن رواحة وقال: آية أنزلت ينبئني فيها ربي، إني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، فذلك الذي أبكاني.
وقال الحسن: كيف لا يحزن المؤمن وقد حدث عن الله أنه وارد جهنم ولم ينبئه بأنه صادر عنها.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقيل: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: " نزلت على آنفًا سورة يقرأ فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ.) ".
ثم قال: " أتدرون ما الكوثر؟ " فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " فأنه نهر وعدنية ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول ربي إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما حدث بعدك ".
وقوله يختلج بلفظ المجهول أي يعدل به عن الحوض، وهو إما المرتد وإما العاصي.
وفي كتاب الترمذي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: " إن
[ ٥٢ ]
لكل نبي حوضًا وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة وأني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة ".
وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: قال النبي ﷺ: " أنا فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم ".
وزاد أبو سعيد الخدري فقال: " فأقول إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي ".
" قوله لم يظمأ " أي لم يعطش وفيه أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار، وفيه أن الواردين المارين عليه كلهم يشربون، وإنما يمنع الذين يزادون عن الورود والمرور عليه، وسحقًا: أي بعدًا، وهذا مشعر بأنهم مرتدون عن الدين، لأنه يشفع للعصاة، ويهتم بأمرهم، ولا يقول لهم مثل ذلك.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " بينما أنا قائم عند الحوض، إذ زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال هلم فقلت: إلى أين؟ قال إلى النار والله قلت: ما شأنهم، قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال هلم فقلت إلى أين قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم، قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص فيهم إلا مثل همل النعم ".
قال الكرماني في الكواكب الدراري والهمل بفتحتين ما يترك مهملًا لا يتعهد ولا يرعى، حتى يضيع ويهلك، أي لا يخلص منهم من النار، إلا قليل وهذا مشعر بانهم صنفان كفار وعصاة.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ أتي المقبرة فقال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ووددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال بل أنتم
[ ٥٣ ]
أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ". قالوا: وكيف تعرف من لم يأتي بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيت لو أن رجلًا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: " فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضال أناديها ألا هلم ألا هلم، فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقًا سحقًا ".
وفي كتاب الترمذي عن ثوبان عن النبي ﷺ " حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه اشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، من شربة شربة لم يظمأ بعدها أبدًا، أول الناس ورودًا عليه فقراء المهجرين، الشعت رؤوسًا، الدنس ثيابًا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد " فقال عمر بن عبد العزيز لكني نكحت متنعمات، وفتحت لي السدد نكحت فاطمة بنت عبد الملك، لا جرم أن لا أغسل رأسي، حتى يتشعت، ولا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ.
وفي صحيح البخاري كان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا. واعلم أن الحوض بيد النبي ﷺ، على باب الجنة، يسقى منه المؤمنون، وهو مخلوق اليوم، فتب يا أخي إلى ربك واتقه ليخرجك من همك، واسأله أن يبقيك فتنة تقع في دينك، فتذاد عن حوض نبيك قيل إن الله ستر ثلاثًا في ثلاث، ستر رضاه في طاعته فلا يحقرن أحدكم من الطاعة شيئًا فرب محتقر من الطاعة فيه رضا الله، وستر غضبه في معصيته فلا يحقرن أحدكم شيئًا من المعصية، فرب محتقر من المعصية فيه غضب الله، وستر وليه في خلقه فلا يحقرن أحدكم أحدًا من خلق الله، فرب من لا يؤبه له وهو ولي الله، وستر أيضًا رابعًا، وهو الإِجابة في الدعاء، فلا يحقرن أحدكم شيئًا من الدعاء، على أي حال كان، وفي أي موطن كان.
قف على الباب طالبًا وذر الدمع ساكبًا
[ ٥٤ ]
وتوسل إليه وار جع عن الذنب تائبًا
تلق من حسن صنعه عند ذاك العجائبا
لاتخف أن ترد عن كرم الله خائبا
فهو يجزي على اليسي ر ويعطي الرغائبا
شرف المرء بالتقى فاجعل الصدق صاحبا
واحتشم أن يراك رب ك للذنب راكبا
إن للدهر أسهما للرزايا صوائبا
وخطوبًا تتابعت فأثارت نوائبا
فارض بالله واعتصم واسأل الله راغبا
[ ٥٥ ]