قال الله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ).
وقال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ).
روي البخاري في صحيحه أن عائشة ﵂ قالت: " إن رسول الله ﷺ كان بين يديه علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول لا إله إلا الله إن للموت لسكرات ثم نصب يديه فجعل يقول إلى الرفيق الأعلى حتى قبض " وفي صحيحه: " لما ثقل ﷺ جعل يتغشاه الكرب فجعلت فاطمة ﵂ تقول واكرب أبتاه فقال ﷺ لا كرب على أبيك بعد اليوم " ويروى أن النبي ﷺ دخل على مريض فقال " إني لأعلم ما يلقى ما فيه عرق إلا وهو يألم بالموت على حدته ". ويروى عن مكحول عن النبي ﷺ أنه قال " لو أن شعرة من شعرات الميت وقعت على أهل السماوات والأرض لماتوا بأذن الله تعالى " وقال عمر بن الخطاب ﵁ يا كعب حدثنا عن الموت فقال نعم يا أمير المؤمنين " هو كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل فأخذت كل شوكة بعرق ثم جذبه رجل شديد الجذب فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى " وكان علي ﵁ يحض على القتال في سبيل الله ويقول " إن لم تقتلوا تموتوا والذي نفس محمد بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش ". وقال شداد بن أوس: الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمن وهو أشد من نشر بالمنشير وقرض بالمقاريض وغلي في القدور ولو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش ولا التذوا بنوم، ويروى أن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه لما مات قال الله ﷿ له " كيف وجدت الموت " قال كسفود جعل في صوف رطب ثم جذب فقال: "
[ ٢٢ ]
أما إنا قد هونا عليك ". وعن موسى صلوات الله عليه أنه لما صارت روحهإلى الله ﷿ قال له " يا موسى كيف وجدت الموت " قال: وجدت نفسي كشاة حية بيد القصاب تسلخ.
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإنهم كانت فيهم أعاجيب " ثم أنشأ يحدث قال " خرجت طائفة فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين ودعونا الله يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر تلاشى بين عينيه أثر السجود فقال: يا هؤلاء ما أردتم إلي فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنتُ وكأن عمرو بن العاص ﵁ يقول لوددت لو أني رأيت رجلًا لبيبًا حازمًا قد نزل به الموت فيخبرني عن الموت فلما أنزل به الموت قيل له يا أبا عبد الله كنت تقول أيام حياتك لوددت أني رأيت رجلًا لبيبًا حازمًا قد نزل به الموت يخبرني عن الموت وأنت ذلك الرجل اللبيب الحازم وقد نزل بك الموت فأخبرنا عنه. فقال: أجد كأن السماوات انطبقن على الأرض وأنا بينهما وكأن نفسي تخرج على ثقب إبرة ".
ويروى أن إبراهيم الخليل قال لملك الموت هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح الفاجر؟ قال أتطيق ذلك؟ قال بلى فأعرض ثم التفت فإذا هو رجل أسود الثياب قاتم الشعر منتن الريح يخرج من فيه ومناخره لهب النار والدخان فغشى على إبراهيم ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى فقال يا ملك الموت لو لم يلق الفاجر إلا صورة وجهك لكان ذلك حسبه.
وروى عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵄ قال: إذا بقي على
[ ٢٣ ]
المؤمن من ذنوبه شيء لم يبلغه عمله شدد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وشدته درجته في الجنة وإن الكافر إذا كان عمله معروفًا في الدنيا هون عليه الموت ليستكمل ثواب معروفه في الدنيا ثم يصير إلى النار.
وروي البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: " لو أن لي طلاع الأرض ذهبًا لافتديت به من قبل أن أراه ". وقيل لم يلق ابن آدم أشد من الموت وما بعده أشد منه.
وفي الوسيط للواحدي بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: " الأمراض والأوجاع كلها بريد الموت ورسل الموت فإذا حان الأجل أتى ملك الموت بنفسه وقال أيها العبد كم خبر بعد وكم رسول بعد رسول وكم بريد بعد بريد أنا الخبر ليس بعدي خبر وأنا الرسول ليس بعدي رسول أجب ربك طائعًا أو مكروهًا فإذا قبض روحه وتصارخوا عليه قال على من تصرخون وعلى من تبكون؟ فوالله ما ظلمت له أجلًا ولا أكلت له رزقًا بل دعاه ربه فليبك الباكي على نفسه فإن لي فيكم عودات وعودات حتى لا أبقي منكم أحدًا ". وعن أنس بن مالك قال: " لقي جبريل ملك الموت بنهر فارس فقال يا ملك الموت كيف تستطيع قبض الأنفس عند الوباء هاهنا عشرة آلاف وهاهنا كذا وكذا؟ فقال ملك الموت تزوى لي الأرض حتى كأنهم بين فخذي فألتقطهم بيدي ".
اعلم لو أنا انتظرنا ضربة شرطي لتكدر عيشنا وفي نفس يمكن مجيء الموت بشدائده وهو أمر من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير ويود لو قدر على صياح وأنين ويجذب روحه من كل عضد وعرق فتبرد قدماه، ثم فخذاه وهكذا حتى يبلغ الحلقوم فعنده ينقطع نظره إلى دنياه ويغلق عنه باب توبته فقد قال رسول الله ﷺ: " إن الله تعالى يقبل توبة عبده ما لم يغرغر ".
يا فرقة الأحباب لا بد لي منك ويا دار دنيا إنني راحل عنك
[ ٢٤ ]
ويا قصر الأيام مالي وللمنى ويا سكرات الموت مالي وللضحك
فما لي لا أبكي لنفسي بعبرة إذا كنت لا أبكي لنفسي فمن يبكي
ألا أي حي ليس بالموت موقنًا وأي يقين أشبه اليوم بالشك
[ ٢٥ ]