الاعتداء في ألفاظ الدُّعاء
وضابطُه: أن يكون التَّعَدِّي في تراكيب الكلمات وفي غرابتها، أو التَّفصيل، أو التَّشقيق في العبارات والزِّيادة في الكلمات على نحو لم يكن معروفًا عند السَّلَف:
١ - أن يَشتمل الدُّعاء على الشِّرك؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ومن صوره أن يصرفَ الدُّعاء لغير الله، أو أن يدعو مع الله غيرَه؛ كأن يقول: يا رسول الله، اكشف كربتي. أو: يا عليُّ. أو: يا جيلاني .. فلا شَكَّ أنَّه كفرٌ صريحٌ ناقلٌ من الملَّة؛ قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١).
٢ - تصغير أسماء الله تعالى؛ كأن يقول: (يا رُبَيْبِي، يا حُنَيِّن، يا رحيِّم) (٢).
٣ - دعاء صفات الله: لأنَّ الصِّفةَ غيرُ الذَّات في مقام النِّداء؛ ولهذا إنَّما ينادى الله- جَلَّ وعلا- المتَّصف بالصِّفات.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأمَّا دعاء صفاته وكلماته فكفرٌ باتِّفاق المسلمين؛ فهل يقول مسلم: يا كلام الله اغفر لي وارحمني وأغثني، أو أعني. أو يا علم الله أو يا قدرة الله، أو يا عزَّة الله، أو يا عظمة الله. ونحو ذلك؟! أو سمع مسلمًا أو كافرًا أنَّه دعا بذلك من صفات الله، أو يطلب من الصِّفة جلبَ منفعة أو دَفْعَ مَضَرَّة، أو إعانة، أو نصر، أو غير ذلك (٣).
_________________
(١) فاطر، الآية ١٤.
(٢) شأن الدعاء، الدعاء للحمد ص٨١.
(٣) الرَّدُّ على البكريِّ لابن تيمية، ١/ ١٨١، نشر مكتبة الغرباء الأثريَّة، المدينة، تحقيق محمد عليّ عجال، الطبعة الأولى، ١٤١٧هـ.
[ ٦٢ ]
٤ - دعاءُ الله بأسماء لم تَردْ في الكتاب ولا في السُّنَّة؛ فمن صُوَره قولُ بعضهم: يا سبحان، يا برهان، يا سلطان؛ قال الخطَّابيُّ: (وممَّا يسمع على ألسنة العامَّة وكثير من القصّاص قولهم: يا سبحان، يا برهان، يا غفران، يا سلطان). وكذلك قولهم: يا رب القرآن. قال الخطَّاب: (أوَّلُ من أنكر ذلك ابنُ عبَّاس؛ فإنَّه سمع رجلًا يقول عند الكعبة: يا ربَّ القرآن. فقال له: إنَّ القرآن لا رب له؛ إنَّ كلَّ مربوب مخلوق) (١).
٥ - أن يدعو بدعاء لا يعرف معنى لألفاظه؛ كما ذكره محمَّد بن الحسن عن شيخه أبي حنيفة (٢) قال: نَكْرَهُ أن يدعوَ الرَّجلُ فيقول: (اللهمَّ أسألك بعقد العزّ من عرشك) (٣)؛ لأنَّه ليس يَنكشف معنى هذا الدُّعاء لكلِّ أحد، ولأنَّه لا يُتصوَّر أن يستشعر الإنسانُ دعاءً لا يَفهمه؛ لذا يَنبغي للدَّاعي أن يتخيَّر من الأدعية ما يفهم معناه.
وعلى إمام المسجد والخطيب أن يتخيَّر الألفاظَ السَّهلةَ الواضحةَ المعاني؛ لأنَّ كثيرًا من عوامِّ النَّاس لا يَفهم معنى الأدعية الواردة الصَّحيحة؛ فكيف بغيرها؟!
ولذا كان من المستحسن من الدَّاعية وطالب العلم وإمام المسجد والخطيب شرح الأدعية المأثورة وتبيين معناها للنَّاس؛ لكي يستشعروها أثناءَ دعائهم.
_________________
(١) الإبانة الكبرى لابن بطة ٥/ ١١١.
(٢) النعمان بن ثابت الكوفي مولى بني تميم ولد سنة ٨٠هـ، رأى أنسًا وروى عن عطاء بن أبي رباح، وتَفَقَّه على حمَّاد بن أبي سليمان، وكان من أذكياء العالم، جمع الفقه والعبادةَ والوَرَعَ والسَّخاءَ، وكان لا يَقبل جوائزَ الدَّولة. قال الشَّافعيُّ: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. توفِّي سنة ١٥٠هـ. انظر: العبر في خبر مَن غَبر، ص٣٩.
(٣) روه الطَّبرانيُّ في المعجم الكبير باب قيلة بن مخرمة العنبرية ٢٥/ ١٢، ورواه ابن الجوزي في الموضوعات ٢/ ١٤٢، وقال: هذا حديث موضوع بلا شكّ. وأقرَّه الحافظ الزَّيلعيّ في نصب الرَّاية (٤/ ٣٣٨).
[ ٦٣ ]
٦ - التَّفصيل عند الدُّعاء بأحوال البرزخ في يوم القيامة أو بأحوال الموت وسكراته؛ ومن صوره: (اللهمَّ ارحمنا إذا بردت القدمان وشخصت العينان ويبس منَّا اللِّسان).
وكقول بعضهم في دعائه: (اللهمَّ ارحمنا إذا يئس منَّا الطَّبيبُ وبَكَى علينا الحبيبُ ) إلخ.
٧ - التَّفصيل عند الدُّعاء بالجنَّة؛ فمن صُوَره: (اللهمَّ إنَّا نسألك الجنَّةَ في سدر مخضود وطلح منضود وظلٍّ ممدود إلخ. مع أنَّه كان يكفيه أن يَلتزم بجوامع الكلم ويَدَع ما سوى ذلك؛ فعن عائشة﵂- قالت: كان رسول الله - ﷺ - يستحبُّ الجوامعَ من الكلم في الدُّعاء ويَدَع ما سوى ذلك. (١)
وقد خرَّج أبو داود عن أبي نعامة عن ابن سعد بن أبي وقَّاص أنَّه قال: سمع أبي وأنا أقول: (اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّةَ ونعيمَها وبهجتَها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النَّار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا. فقال: يا بنيَّ إنِّي سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «سيكون قومٌ يعتدون في الدُّعاء؛ فإيَّاك أن تكون منهم؛ إن أعطيت الجنَّة أعطيتَها وما فيها، وإن أعذتَ من النَّار أعذتَ منها وما فيها من الشَّرِّ» (٢).
٨ - التَّفصيلُ والاختراعُ في الدُّعاء على الكفَّار؛ ومن ذلك: اللهمَّ جمِّد الدِّماءَ في عروقهم، اللهمَّ سَكِّن ما تحرَّك في أجسادهم، وحَرِّك ما سكن منها، اللهمَّ اجعل الموتَ أغلى أمانيهم، اللهمَّ رمِّل نساءهم ويَتِّم أطفالَهم إلخ.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في مسند عائشة ﵂ برقم ٢٥١٩٣ (٦/ ١٤٨)، وأبو داود باب الدعاء برقم ١٤٨٢ (١/ ٤٦٧) وقال الألباني في تعليقه صحيح.
(٢) أبو داود باب الدعاء برقم ١٤٨٠ (١/ ٤٦٦) وقال الألباني في التعليق صحيح.
[ ٦٤ ]
ولقد كان من دعاء الخليفة الرَّاشد عمر بن الخطَّاب﵁- على الكفرة قوله: (اللَّهمَّ عذِّب الكفرة الذين يصدُّون عن سبيلك ويكذِّبون رسولَك ويقاتلون أولياءك ولا يؤمنون بوعدك وخالف بين كلمتهم وألق في قلوبهم الرُّعبَ وألق عليهم رجزَك وعذابَك إله الحقّ) (١).
٩ - أن يخترعَ الدَّاعي ألفاظًا عامَّةً من عنده يدعوه بها في سجوده ويتحرَّى بها مواطنَ الإجابة.
ومن صوره: (اللهمَّ افتح الباب وارفع الحجاب). ويفرَّقُ بين هذا وبين من كانت له حاجة خاصَّة يلحُّ على الله بها.
١٠ - السَّجعُ المتكلَّف في الدُّعاء؛ خصوصًا في القنوت والبحث عن غرائب الأدعية والكلمات.
والسَّجع هو: ما استوى واستقام وأشبه بعضُه بعضًا.
وقيل: السَّجعُ: الكلامُ المقفَّى، أو: هو تواطؤُ الفاصلتين من الشَّرِّ على حرف واحد (٢).
ومن صُوره: (اللهمَّ إنَّا نسألك الأمنَ في البلد والصِّحَّة في الجسد والصَّلاح في الولد)، وكذلك قوله: (اللهمَّ إنَّا نسألك رزقًا دارًّا وعيشًا قارًّا وعملًا سارًّا).
وقد ثَبَتَ في البخاريِّ عن عكرمة عن ابن عبَّاس﵁- قال له: (فانظر السَّجعَ في الدُّعاء فاجتنبه؛ فإنِّي عهدتُ رسولَ الله - ﷺ - وأصحابَه لا يفعلون إلَّا ذلك الاجتناب) (٣).
_________________
(١) مسند أحمد باب حديث عبد الله الزّرقيّ برقم ١٥٥٣١ (٣/ ٤٢٤)، النَّسائيّ باب الاستنصار عند اللقاء برقم ١٠٤٤٥ (٦/ ١٥٦)، والحاكم كتاب الدُّعاء والتَّكبير والتَّسبيح والتَّهليل برقم ١٨٦٨ (١/ ٦٨٦)، وقال: حديث صحيح على شرط الشَّيخين، ولم يخرِّجاه. وقال الذَّهبيُّ في التَّلخيص على شرط البخاريّ ومسلم.
(٢) انظر لسان العرب ٨/ ١٥٠، التعريفات للجرجاني، ص١٥٦.
(٣) البخاري باب ما يكره من السجع في الدعاء ٥/ ٢٣٣٤.
[ ٦٥ ]
قال القرطبيُّ﵀- عند كلامه على قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]: وهو أن يدعوَ بما ليس في الكتاب والسُّنَّة فيتخيَّر ألفاظًا مفقَّرةً وكلمات مسجوعةً قد وجدها في كراريس لا أصلَ لها ولا معوَّل عليها فيجعلها شعارَه ويترك ما دعا به رسول الله - ﷺ -؛ وكلُّ هذا يمنع من استجابة الدُّعاء (١).
وإنَّه لمن الحزن أن يتعدَّى في الدُّعاء بمثل هذه الأدعية المسجوعة المخترَعة؛ خصوصًا في الأوقات والأزمان الفاضلة في ليالي رمضان؛ فيفوِّت الدَّاعي على نفسه وعلى الناس إذا كان إمامًا الإجابةَ في مثل هذه الفرص العظيمة، وقد يُشكل ما ورد في بعض الأدعية عن النَّبيِّ - ﷺ - من السَّجع؛ لذا قال ابنُ حجر في إيضاح هذا المشكل أنَّ ذلك كان يَصدر من غير قصد إليه؛ ولأجل هذا يجيء في غاية الانسجام؛ كقوله - ﷺ - في الجهاد: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب ) (٢). وكقوله - ﷺ -: «صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» (٣). وكقوله: «أعوذ بك من عين لا تدمع ونفس لا تشبع وقلب لا يخشع». وكلُّها صحيحةٌ؛ قال الغزاليُّ: (المكروهُ من السَّجع هو التَّكَلُّفُ؛ لأنَّه لا يلائم الضَّراعةَ والذِّلَّةَ؛ وإلَّا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية لكنَّها غيرُ متكلِّفة. ا. هـ (٤).
_________________
(١) تفسير القرطبي ٧/ ٢١٨.
(٢) صحيح مسلم، باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو ٣/ ١٣٦٢.
(٣) سنن أبي داود، باب في دية الخطأ شبه العمد برقم ٤٥٤٧ (٢/ ٥٩٣)، سنن النسائي، ذكر الاختلاف على خالد الحذاء برقم ٤٧٩٩ (٨/ ٤٢)، سنن ابن ماجه، باب دية شبه العمد مغلظة برقم ٢٦٢٨ (٢/ ٨٧٨)، وقال في المجمع: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن وهب بن أبي كريمة، وهو ثقة. (٦/ ١٠٤).
(٤) فتح الباري، كتاب الدعوات (١١/ ١٦٧).
[ ٦٦ ]
١١ - التزامُ أدعية لا تصحُّ عن النَّبيِّ - ﷺ -:
ومن صوره:
أ- (تَمَّ نورُك فهديت فلك الحمد، عظم حلمُك فعفوتَ فلك الحمد ) رواه أبو يعلى بسند ضعيف؛ لأنَّه منقطعُ الإسناد فيه فرات بن سلمان؛ لم يَلْقَ عليًّا﵁؛ فهو منقطعُ الإسناد.
ب- (يا مَن لا تراه العيون ولا تخالطه الظُّنون إلى أن قال: يعلم مثاقيل الجبال ومكاييل البحار وعدد ورق الأشجار). أخرجه الطبراني بسند فرد فيه من لا يعرف.
ج- (يا من أظهر الجميل وستر القبيح يا من لا يؤاخذ بالجريرة .. إلى قوله: نسألك يا الله أن لا تشوي خلقي بالنار). قال الذهبي في الميزان في ترجمة أحمد بن داود الصنعاني أحد رواة الحديث: أتى بخبر لا يحتمل ثم ذكره (١).
١٢ - التزامُ أدعية الصَّالحين: وذلك أنَّ بعضَ الصَّالحين عَرَضَ له أمرٌ فدعا اللهَ بلفظ معيَّن فاستجاب الله دعاءَه؛ ومن ذلك:
أ) ما أورده ابنُ القيِّم في الجواب الكافي عن ابن أبي الدُّنيا في كتاب المجانين في الدُّعاء عن الحسن البصريّ عن أنس أنَّ رجلًا من أصحاب النَّبيِّ - ﷺ - يكنَّى أبا معلق وكان تاجرًا، فعرض له لصٌّ وأراد قتلَه وأخذ ما معه من المال، فطلب أبو معلق من اللِّصِّ أن يذرَه يصلِّي، فلما كان في آخر سجدة دعا ربَّه فقال: (يا ودود يا ذا العرش المجيد يا فعَّال لما تريد أسألك بعزِّك الذي لا يرام وبملكك الذي لا يضام وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شرَّ هذا اللِّصّ، يا مغيث أغثني). فاستجاب الله دعاءَه وصرف عنه اللِّصَّ.
_________________
(١) انظر: تصحيح الدعاء، ص٤٧٠.
[ ٦٧ ]
قال الحسن في رواية عن أنس: مَن دعا بهذا الدُّعاء استجيب له مكروبًا كان أو غير مكروب (١) (٢).
يقول ابن القيم في الجواب الكافي: وكثيرا ما نجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم فيكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله أو حسنه تقدمه منه جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكرا لحسنته أو صادف الدعاء وقت إجابة ونحو ذلك فأجيبت دعوته فيظن الظآن أن السر في لفظ ذلك الدعاء فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي، وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي فانتفع به فظن غيره أن استعمال هذا الدواء مجردا كافي في حصول المطلوب كان غالطا (٣).
_________________
(١) تخريج القصة: أوردها هبة الله اللالكائيّ في كرامات الأولياء (١/ ١٥٥)، والحافظ ابن حجر في الإصابة (٧/ ٣٧٩)، وسكت عن إسنادها ونسبها لابن أبي الدنيا في مجابي الدعوة بإسناده عن أنس بن مالك، وكذلك ممَّا يضعف الحديث أنَّ الحسن البصريَّ عنعن الحديث عن أنس ولم يصرِّح بالسَّماع، ولم أقف على مَن صحَّح إسنادَ هذا الأثر، وكتب ابنُ أبي الدُّنيا من مظانّ المعضل وجميع رواياتها تدور على الكلبي غير صاحب التفسير، وهو مجهول.
(٢) وكذلك ما ورد عن العلاء بن الحضرمي ﵁ حيث قال: (يا علي يا عظيم يا حليم يا كريم) فأجاز البحر ومن معه. انظر منهاج السنة (٨/ ١٥٥). وكذلك ما ورد عن إبراهيم بن أدهم؛ حيث هاج بهم البحرُ فقال: (يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ قبل كلّ حيّ، ويا حيّ بعد كلّ حيّ). فسكنت الرّيح وهدأ البحر من ساعته. انظر سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٩١).
(٣) الجواب الكافي (١/ ٧). وكذلك ما ورد عن العلاء بن الحضرمي من دعائه: يا عليّ يا حليم يا عظيم.
[ ٦٨ ]
ب- دعاء الحسن في التَّهنئة بالمولود: (شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب وبلغ أشدَّه ورزقت برّه) (١). فالحديث لا يصحُّ عن الحسن البصريِّ؛ إذًا فليس من السُّنَّة التزامُ هذا الدُّعاء.
١٣ - اللَّحنُ في ألفاظ الدُّعاء وعدم الإعراب: وقد عَدَّ صاحبُ التَّبصرة من الآداب أن يكون الدُّعاء صحيحَ اللَّفظ؛ لأنَّ اللَّحنَ يتضمَّن مواجهة الحقِّ بالخطأ.
وأنشد بعضهم:
ينادي ربه باللحن ليت كذاك إذا دعاه لا يجيب (٢)
قال ابنُ الصَّلاح في فتاويه: (الدُّعاءُ الملحون ممَّن لا يستطيع غيره لا يقدح في الدُّعاء ويعذر فيه) (٣) ا. هـ.
أمَّا حديث: (إنَّ اللهَ لا يَقبل دعاءً ملحونًا) فإنَّه لا يُعرَف له أصل (٤).
وقد سئل شيخُ الإسلام عن رجل دعا دعاءً ملحونًا فقال له الرجل: ما يقبل الله دعاء ملحونًا. فأجاب: مَن قال هذا القول فهو آثمٌ مخالفٌ للكتاب والسُّنَّة ولما كان عليه السَّلَفُ؛ وأمَّا مَن دعا اللهَ مخلصًا له الدِّين بدعاء جائز سمعه الله وأجاب دعاءه؛ سواءً كان معربًا أو ملحونًا، والكلام المذكور لا أصلَ له؛ بل يَنبغي للدَّاعي إذا لم تكن عادتُه الإعراب أن لا يتكلَّفَ الإعراب.
_________________
(١) مسند عليّ بن الجعد (١٤٤٨/ ٣٣٩٨)، الكامل (٧/ ١٠١)، ابن أبي الدنيا العيال (١/ ٣٦٥/٢٠١)، إسناده ضعيف من أجل الهيثم بن الجماز، قال عنه أحمد: منكر الحديث، وله إسناد آخر عن الحسن ولكنَّه ضعيف. أخرجه الحافظ هبة الله بن عساكر في تاريخ دمشق ٥٩/ ٢٧٦، وإسنادُه ضعيف من أجل كلثوم بن جوشن. انظر موقع ملتقى أهل الحديث على الشبكة العنكبوتيَّة العالمية.
(٢) الأزهية، ص٦٧.
(٣) فتاوى ابن الصلاح (١/ ١٩٨)، طبعة دار المعرفة.
(٤) المصنوع في معرفة الحديث الموضوع، ص٦٢.
[ ٦٩ ]
قال بعضُ السَّلَف: إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع. وهذه كما يكره تكلُّف السَّجع في الدُّعاء؛ فإذا وقع بغير تكلُّف فلا بأس به؛ فإنَّ أصلَ الدُّعاء من القلب، واللِّسان تابعٌ للقلب. ومَن جَعَل همَّتَه في الدُّعاء تقويمَ لسانه أضعف توجُّهَ قلبه؛ ولهذا يدعو المضطرُّ بقلبه دعاءً يفتح عليه لا يحضره قبل ذلك؛ وهذا أمر يجيده كلُّ مؤمن في قلبه، والدُّعاءُ يَجوز بالعربيَّة وبغير العربيَّة، والله- سبحانه- يَعلم قصدَ الدَّاعي ومرادَه، وإن لم يقوِّم لسانه فإنَّه- سبحانه- يعلم ضجيجَ الأصوات باختلاف اللُّغات على تنوُّع الحاجات) (١).
١٤ - الدُّعاءُ بالألفاظ الأعجميَّة غير معروفة المعنى: كأن يَخترع كلمة (٢) أو دعوة أعجمية.
والدَّليلُ قولُه تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣).
وجهُ الدِّلالة: أنَّ معناها أن أسألك ما ليس لي بجواز سؤاله علم. فدلَّ ذلك على أنَّ العلمَ بالجواز شرطٌ في جواز السُّؤال؛ فما لا يعلم جوازُه لا يجوز سؤالُه، وأكَّدَ الله تعالى ذلك بقوله: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
واللَّفظُ الأعجميُّ غيرُ معلوم الجواز؛ فيكون السُّؤالُ به غيرَ جائز؛ ولذلك منع مالك الرّقى به (٤).
_________________
(١) الفتاوى (٢٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩).
(٢) كلمة (لغسلمون) يكتبها بعض الناس بعد العصر آخر جمعة من رمضان من الحفظة وقد كرهها كثير من الفضلاء لعجمتها.
(٣) سورة هود، آية: ٤٦.
(٤) الفروق للقرافي.
[ ٧٠ ]
١٥ - عدم اختيار الألفاظ المناسبة أثناء الدعاء:
ومن صوره: أن يقول: اللهمَّ ارحمني يا شديد العقاب، أو اللهم عليك بالكفار يا غفار يا أرحم الراحمين. وإذا أراد غشيان النساء مثلا فلا يصرح؛ بل يقول: (اللهم متعني بأعضائي وجوارحي).
١٦ - استبدال لفظه في الدعاء الوارد بغير الوارد:
عن البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري غليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهم آخر ما تتكلم به».
قال: فردَّدتُها على النَّبيِّ - ﷺ - فلمَّا بلغتُ: «اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلت: «ورسولك». قال: «لا؛ وبنبيِّك الذي أرسلت». متفق عليه (١).
فعلى الدَّاعي إذا دعا بالمأثور أن يلتزم به ولا يخلطه بغيره.
قال النووي:
اختار المازري وغيره أنَّ سببَ الإنكار أنَّ هذا ذكرٌ ودعاءٌ؛ فَيَنبغي فيه الاقتصارُ على اللَّفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلَّق الجزاءُ بتلك الحروف، ولعلَّه أوحى إليه - ﷺ - بهذه الكلمات؛ فَيَنبغي أداؤها بحروفها. وهذا القول حسن (٢).
_________________
(١) رواه البخاري باب فضل من بات على وضوء (١/ ٩٧)، ومسلم باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (٤/ ٢٠٨١).
(٢) صلاح الأمة (٢/ ١٦٣). وانظر شرح مسلم (٥/ ٥٦٣).
[ ٧١ ]
ويأتي في هذا السياق والمعنى دعاء الاستخارة؛ حيث ذكر جابر بن عبد الله﵁- أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كان يعلِّمهم دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن؛ لذا ذكر بعضُ أهل العلم في معنى تشبيهه بالقرآن أن يذكر ألفاظَ الدُّعاء والاستخارة كما يذكر ألفاظَ القرآن؛ سواءً بسواء؛ قال الحافظُ ابنُ حجر: (وقال ابن أبي جمرة: التَّشبيه في تحفظ حروفه وترتيب كلماته ومنع الزيادة والنقص) (١).
١٧ - الدعاء بلفظ اللعن:
إنَّ لفظَ اللَّعن قد يُراد به نفس لفظ اللَّعن وقد يراد به عبارات السَّبِّ والشَّتم، كما أنَّ لفظَ اللَّعن قد يراد به معناه الأصليُّ الذي هو الطَّردُ والإبعاد عن رحمة الله تعالى، وقد يراد به مُطْلَقُ السَّبِّ والشَّتم والتَّنَقُّص والدُّعاء على الشَّخص (٢).
وهناك أنواع من اللَّعن تُخرج صاحبَها من الملَّة؛ ومن ذلك:
لعن الله– ﷾- أو أحد من ملائكة ورسوله ودينه؛ فهذا كلُّه موجبٌ لردَّة صاحبه وكفره؛ ومن أدلَّة ذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن سبَّ اللهَ تعالى: (فإن كان مسلمًا وَجَبَ قتلُه بالإجماع؛ لأنَّه بذلك كافرٌ مرتدٌّ وأسوأ من الكافر) (٣).
وأمَّا سبُّ نبيِّنا محمد - ﷺ - فقد قال الإمام أحمد: (كلُّ مَن شتم النَّبيَّ - ﷺ - وانتقصه مسلمًا كان أو كافرًا فعليه القتل) (٤).
_________________
(١) فتح الباري، (١١/ ١٨٤).
(٢) أحكام لعن الكافرين وعصاة المسلمين، ص١٠.
(٣) الصارم المسلول، ص٢٩٠.
(٤) أحكام أهل الذمة (٣/ ١٣٥٨).
[ ٧٢ ]
والحكمُ في سبِّ سائر الأنبياء كالحكم في سبِّ نبيِّنا محمَّد - ﷺ -، وكذلك الحكم في سبِّ الملائكة أو أحد منهم؛ ذكر ذلك القاضي عياض (١).
ومن أنواع اللَّعن: لعنُ المعيَّن من عصاة المسلمين.
قال ابنُ العربيّ المالكيّ: (فأمَّا العاصي المعيَّن فلا يحوز لعنُه اتِّفاقًا) (٢).
وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية: (وأما الفاسق المعين فلا تنبغي لعنته) (٣).
وقال الغزاليُّ: (إنَّ لعنَ فاسق بعينه غيرُ جائز؛ وعلى الجملة ففي لعن الأشخاص خطرٌ فليجتنب، ولا خطرَ في السُّكوت عن لعن إبليس مثلًا فضلًا عن غيره) (٤).
وقال النَّوويّ: (وأمَّا المعيَّن فلا يجوز لعنه) (٥).
- ومن الأدلة على ذلك:
١ - ما رواه عمر بن الخطاب﵁- أنَّ رجلًا كان على عهد النَّبيِّ - ﷺ - كان اسمُه عبد الله وكان يُلَقَّبُ حمارًا، وكان يضحك رسول الله - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - قد جلده في الشَّراب، فأتى به يومًا فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهمَّ العنْه ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبي - ﷺ -: «لا تلعنوه فوا الله ما علمت، إنَّه يحبُّ الله ورسوله» (٦).
_________________
(١) الشفا (٢/ ١٠٩٧).
(٢) أحكام القرآن (١/ ٧٥).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٧٥).
(٤) إحياء علوم الدين (٣/ ١١٣).
(٥) شرح مسلم للنووي (١١/ ٣٣٤).
(٦) رواه البخاري في كتاب الحدود برقم (٦٧٨٠).
[ ٧٣ ]
وفي رواية: «لا تكونوا عونًا للشَّيطان على أخيكم» (١).
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية: فقد نهى النبيُّ - ﷺ - عن لعنة هذا المعيَّن الذي كان يُكثر شرب الخمر معلِّلًا ذلك بأنَّه يحبُّ الله ورسوله مع أنَّه - ﷺ - لعن شارب الخمر مطلقًا؛ فَدَلَّ ذلك على أنَّه يجوز أن يُلعنَ المطلق ولا تجوز لعنة المعيَّن الذي يحب الله ورسوله، ومن المعلوم أنَّ كلَّ مؤمن فلابدَّ أنَّه يحبُّ الله ورسوله (٢).
وقال ابنُ حَجَر: (يُستفاد من ذلك منعُ الدُّعاء على العاصي بالإبعاد عن رحمة الله كاللَّعن (٣).
٢ - وكذلك ذكروا في إجازة لعن كلِّ مَن وقع في معصية جاء النصُّ بلعن فاعلها يفتح الباب للعن كثير من المسلمين، ويروِّض الألسنةَ والأسماع على إلف هذا الخلق المشين ويكثر التَّسابّ والتَّشاتم والتَّلاعن بين المسلمين؛ الأمر الذي يتعارض مع مقاصد الإسلام في إفشاء التَّحابب والمودَّة والبعد عن أسباب الضَّغينة والقطيعة وسوء الظَّنِّ) (٤).
٣ - إنَّ إطلاقَ المسلم لسانه بتعيين بعض إخوانه المسلمين باللَّعن يخرجه من عداد المؤمنين الذي ورد الثَّناء عليهم بابتعادهم عن الاتِّصاف بهذا الخلق القبيح- وهو كثرة اللَّعن- كما في الحديث: «ليس المؤمن باللعان ولا الطعان ولا الفاحش البذيء» (٥).
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الحدود برقم (٦٧٨١).
(٢) منهج السنة (٤/ ٢٨٤).
(٣) فتح الباري (١٢/ ٧٩).
(٤) أحكام لعن الكافرين، ص٥٥.
(٥) أخرجه الترمذي (٤/ ٣٥٠)، وقال حديث حسن غريب.
[ ٧٤ ]
كما يُحرم من أن يكون شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة؛ كما في الحديث: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» (١).
وأمَّا ما ورد عن رسول الله - ﷺ - من لعن لبعض المسلمين المعيَّنين فقد ورد عنه- صلوات الله وسلامه عليه- أنَّه قال: «اللهم إنما أنا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة» (٢).
وكذا وَرَدَ عند مسلم من حديث عائشة قالت: دخل على رسول الله - ﷺ - رجلان فكلَّماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبَّهما، فلمَّا خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير شيئًا ما أصابه هذان. قال: «وما ذاك»؟ قلت: لعنتَهما وسببتَهما. قال: «أوما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهمَّ إنَّما أنا بشر، فأيّ المسلمين لعنتُه أو سببتُه فاجعله له زكاةً وأجرًا» (٣).
وعنده أيضًا من حديث جابر بن عبد الله، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إنَّما أنا بشر، وإنِّي اشترطتُ على ربِّي﷿- أيّ عبد من المسلمين سببتُه أو شتمتُه أن يكون ذلك له زكاةً وأجرًا».
وأخرج أيضًا حديث أنس بن مالك﵁- قال:
كانت عند أمِّ سليم يتيمة- وهي أم أنس- فرأى رسولُ الله - ﷺ -
اليتيمةَ فقال: «أنت هيه؟ لقد كبرت لا كبر سنُّك». فَرَجَعت
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ٢٠٠٦)، باب النهي عن لعن الدواب وغيرها.
(٢) البخاري باب قول النبي - ﷺ -: «من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة» برقم ٦٠٠٠ (٥/ ٢٣٣٩)، مسلم باب من لعنه النبي - ﷺ - أو سَبَّه أو دعا عليه وليس هو أهلًا لذلك كان له زكاة وأجرًا ورحمة برقم ٢٦٠١ (٤/ ٢٠٠٧).
(٣) مسلم، حديث، باب (من لعنة النبي - ﷺ - ) ٢٦٠٠ (٤/ ٢٠٠٧).
[ ٧٥ ]
اليتيمةُ إلى أمِّ سليم تبكي، فقالت أمُّ سليم: مالك يا بنيَّة؟ قالت الجارية: دعا عليَّ نبيُّ الله - ﷺ - أن لا يَكبر سنِّي، فالآنَ لا يَكبر سنِّي أبدًا. أو قالت: قَرْني. فخرجت أمُّ سليم مستعجلةً تلوث خمارها حتَّى لقيت رسولَ الله - ﷺ - فقال لها رسول الله - ﷺ -: مالك يا أمَّ سليم؟ فقالت: يا نبيَّ الله أدعوت على يتيمتي؟ قال: «وما ذاك يا أم سليم»؟ قالت: زَعَمَتْ أنَّك دعوتَ ألَّا يكبر سنُّها ولا يكبر قرنُها. قال: فضحك رسول الله - ﷺ - ثم قال: «يا أمَّ سليم، أما تعلمين أنَّ شرطي على ربِّي أنِّي اشترطتُ على ربِّي فقلت: إنَّما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر؛ فأيّما أحد دعوتُ عليه من أمَّتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورًا وزكاةً وقربةً بها منه يوم القيامة» (١).
١٨ - تكثير الألفاظ بلا حاجة:
والتَّطويلُ في العبارات والتَّكَلُّف في ذكر التَّفاصيل؛ كأن يقول: ربِّ ارحمني ووالدي ولعماتي ولخالاتي ولأعمامي ولأخوالي ونحو ذلك، ويكفي أن يقول اللَّهمَّ اغفر لي ولوالديَّ وللمسلمين والمسلمات. فيدخل فيه من ذكرهم؛ لحديث عائشة﵂- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يعجبه جوامعُ الدُّعاء ويدع ما بين ذلك» (٢).
أي يحبُّ الدُّعاء بالكلمات التي تجمع خيري الدُّنيا والآخرة، وتجمع الأغراض الصَّالحة، وقيل: هي ما كان لفظُها قليلًا ومعناها كثيرًا، ويترك غير الجوامع من الدُّعاء» (٣).
_________________
(١) رواه مسلم باب (من لعنه النبي - ﷺ -) برقم ٢٦٠٣ (٤/ ٢٠٠٩) ..
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الوتر، باب الدعاء، رقم (١٤٨٢)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٤٨٢٥).
(٣) الفتح الرباني (٢٦٩/ ٤١).
[ ٧٦ ]
وعن سعد بن أبي وقَّاص﵁- أنَّه سمع ابنًا له يدعو وهو يقول: اللهمَّ إنِّي أسألك الجنَّةَ ونعيمها وإستبرقها ونحوًا من هذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال: يا بنيَّ إنِّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يكون قوم يعتدون في الدعاء». وإيَّاك أن تكون منهم؛ إنَّك إذا دخلتَ الجنة أعطيتَ ما فيها من الخير، وإن أعذتَ من النار أعذتَ ممَّا فيها من الشَّرِّ (١).
وعن عبد الله بن مغفل﵁- أنَّه سمع ابنَه وهو يقول في دعائه: اللهمَّ إنِّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الدَّاخل إلى الجنَّة. فقال: (يا بنيَّ سل اللهَ الجنَّةَ وتعوَّذ به من النَّار؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «يكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور» (٢).
١٩ - الاقتصارُ على طلب الدُّنيا في دعائه واستدامته ذلك؛ قال ابنُ كثير: ذَمَّ الله مَن لا يسأله إلَّا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه؛ وذلك عند قوله تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أي من نصيب ولاحظ. وتضمن هذا الذم التنفير عن التشبيه بمن هو كذلك قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام
غيث وعام خصب وعام ولاد حسن لا يذكرون من أمر الآخرة
شيئا فأنزل الله فيهم ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا
وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ وكان يجيء بعدهم قوم آخرون
_________________
(١) سبق تخريجه ص٥٣.
(٢) مسند الإمام أحمد بن حنبل (٤/ ٨٧)، صحيح ابن حبّان، باب إخباره - ﷺ - عمَّا يكون في أمَّته من الفتن والحوادث، (١٥/ ١٦٦)، والحاكم في مستدركه (٥/ ٣٥)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
[ ٧٧ ]
من المؤمنين فيقولون: ﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] ولهذا مدح من يسأله للدنيا والآخرة فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة حسنة ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هنيء وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين.
وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء ففي صحيح البخاري: عن أنس بن مالك قال كان النبي - ﷺ - يقول: «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (١).
وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك قال: كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله - ﷺ - يقول: «اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» (٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٠٣). دار عالم الكتب، الرياض ١٤١٦هـ.
(٢) صحيح البخاري رقم (٤٥٢٢).
[ ٧٨ ]