أصلُ كلمة الدعاء: مصدر من قولك: دعوتُ الشيء أدعوه دعاء.
أقاموا المصدرَ مقامَ الاسم: تقول سمعت دعاء. كما تقول: سمعت صوتًا. وكما تقول: اللهمَّ اسمع دعاء. وقد يوضَع المصدرُ موضع الاسم؛ كقولهم: رجل عدل (١).
وهو مأخوذٌ من مادة (دعو) التي تدلُّ في الأصل على إمالة الشَّيء إليك بصوت وكلام يكون منك (٢).
وقد ورد الدعاء في اللغة بعدَّة معان منها (٣):
١ - العبادة: ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [يونس: ١٠٦].
٢ - الاستغاثة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. [البقرة: ٢٣].
٣ - التوحيد: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾. [الجن: ١٩].
٤ - النداء: ومنه قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾. [القمر: ١٠].
٥ - القول: ومنه قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. [يونس: ١٠].
_________________
(١) الدعاء للطبراني، تحقيق د/ محمد سعيد البخاري ط١ ١٤٠٧هـ ص٣٥.
(٢) معجم مقاييس اللغة لابن فارس، (٢/ ٢٧٩).
(٣) ينظر الدعاء للحمد، ص٨.
[ ١٧ ]
٦ - السؤال والطلب: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. [البقرة: ١٨٦].
٧ - الثَّناء: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. [الإسراء: ١١٠].
تعريف الدُّعاء في الاصطلاح:
١ - هو الرغبة إلى الله ﷿.
٢ - قال الخطابي (١): "ومعنى الدعاء: استدعاء العبد ربَّه﷿- العناية واستمداده إيَّاه المعونة (٢).
وحقيقته: إظهار الافتقار إليه والتبرُّؤ من الحول والقوَّة؛ وهو سمة العبوديَّة واستشعار الذِّلَّة البشريَّة، وفيه من الثَّناء على الله﷿- وإضافة الجود والكرم إليه ﷾ (٣).
وعرَّفه ابن القيم (٤) بقوله: "هو طلب ما ينفع الدَّاعي، وطلب كشف ما يضرُّه، أو دفعُه (٥).
_________________
(١) هو أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، كان فقيها أديبا محدِّثا، له التَّصانيف البديعة؛ منها "غريب الحديث" ومعالم السُّنَّة في شرح سنن أبي داود، وأعلام السنن في شرح البخاري، وكتاب شأن الدعاء، وغير ذلك، سمع بالعراق أبا علي الصغار وأبا جعفر الرزاز وغيرهما، وروى عنه الحاكم أبو عبد الله ابن البيع النيسابوري وعبد الغفار بن محمد الفارسي وأبو القاسم عبد الوهاب بن أبي سهل وغيرهم، توفِّي ببست في شهر ربيع الآخر سنة ٣٨٨هـ. وفيات الأعيان (٢/ ٢١٤) ..
(٢) شأن الدعاء للخطابي ص٤.
(٣) شأن الدعاء للخطابي ص٤.
(٤) ابن القيم العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي شمس الدين المعروف بابن قيم الجوزية ولد سنة ٦٩١هـ وسمع من ابن تيمية وتأثر به، برع في جميع العلوم وفاق الأقران واشتهر في الآفاق وتبحَّر في مذاهب السَّلف، توفي في الثالث من شهر رجب سنة ٧٥١هـ، (الأعلام للزركلي (٦/ ٥٦).
(٥) بدائع الفوائد لابن القيم، تحقيق هشام عطا، نشر مكتبة الباز -مكة المكرمة، الطبعة الأولى ١٤١٦هـ، ٣/ ٥١٣.
[ ١٨ ]
وعرَّفه كذلك بأنَّه الابتهالُ إلى الله تعالى بالسُّؤال والرَّغبة فيها عنده من الخير والتَّضرُّع إليه في تحقيق المطلوب والنَّجاة من المرهوب (١).
وهو قول القائل: "يا الله يا رحمن يا رحيم" وما أشبه ذلك (٢).
دعاءُ المسألة ودعاءُ العبادة:
كلُّ دعاء ورد في الكتاب والسُّنَّة فإنَّه يتناول نوعي الدُّعاء وهما دعاءُ المسألة ودعاءُ العبادة (٣).
تعريفُ دعاء المسألة: هو أن يطلب الدَّاعي ما ينفعه وما يكشف ضُرَّه.
تعريف دعاء العبادة: هو شامل لجميع القربات الظاهرة والباطنة؛ لأنَّ المتعبِّدَ لله طالبٌ وداع بلسان مقاله ولسان حاله أن يتقبَّلَ اللهُ تلك العبادة والإثابة عليها.
تلازُمُ نوعي الدُّعاء:
من خلال ما مضى يتبيَّن لنا أنَّ نوعي الدُّعاء متلازمان؛ ذلك أنَّ اللهَ﷿- يُدعَى لجلب النَّفع ودفع الضُّرّ دعاءَ مسألة، ويُدعَى خوفًا ورجاءً دعاءَ العبادة؛ فعُلم أنَّ النَّوعين متلازمان؛ فكلُّ دعاء عبادة مستلزمٌ لدعاء مسألة، وكلُّ دعاء مسألة متضمِّنٌ لدعاء العبادة (٤).
_________________
(١) الدعاء للشيخ الخضر ص١٠.
(٢) المنهاج في شعب الإيمان للحليمي (١/ ٥٢٢).
(٣) القواعد الحسان لتفسير القرآن لابن سعدي ١/ ١٦٦.
(٤) بدائع الفوائد، ٣/ ٥١٣.
[ ١٩ ]
المبحث الثاني