الاعتصام بالله عند الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-
الموقف الأول:
_________________
(١) - الرحيق المختوم - ٢١٧ - انظر تفسير ابن كثير أيضا - ٤/ ١٥٥٠
[ ١٨ ]
١ - أخرج ابن عبد الحكم عن زيد بن أسلم قال: لما أبطأ على عمر بن الخطاب فتح مصر كتب إلى عمرو بن العاص، أما بعد فقد عجبت لإبطأكم عن فتح مصر تقاتلونهم منذ سنين، وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما أعرف، إلا أن يكون غيرهم ما غيرهم، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم، ورغبهم في الصبر والنية، وقدم أولئك الأربعة في صدور الناس، وأمُر الناس أن يكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل فيها الرحمة، ووقت الإجابة وليعج الناس إلى الله وليسألوه النصر على عدوهم، فلما أتى عمروًا الكتابُ جمع الناس وقرأه عليهم، ثم دعا أولئك النفر، فقدمهم أمام الناس، وأمر الناس أن يتطهروا ويصلوا ركعتين، ثم يرغبون إلى الله ويسألونه النصر ففتح الله عليهم (١)
فليتأمل كيف أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁ - أمرهم بالاعتصام بالله ﷿ وأن يرفعوا أصواتهم بالدعاء والتضرع إلى الله ﷿ وأن يطلب النصر من عنده. فكان النصر حليفهم والفتح نصيبهم والظفر حظهم باعتصامهم بالله وبفضل الله عليهم.
الموقف الثاني:
ذكر في الكنز - ٣/ ١٤٥ - في خلافة عمر -﵁- عن عياض الأشعري قال شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبى سفيان وشرحبيل بن حسنة وخالد بن الوليد وعياض -﵃- فقال عمر إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة. قال فكتبنا إليه إنه قد جاش إلينا الموت واستمددناه، فكتب إلينا إنه قد جاءني كتابكم تستمدوني، وإني أدلكم على من هو أعز نصرًا وأحضر جندًا الله ﷿، فاستنصروه فإن محمدًا -ﷺ- قد نُصِر يوم بدر في أقل من عِدتكم فإذا أتاكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني. (٢)
_________________
(١) جامع الأحاديث - رقم الحديث - ٣١٢٣٦ - حياة الصحابة للشيخ يوسف الكاندهلوي ٣/ ٤٣٢.
(٢) مسند أحمد ١/ ٣٥٥
[ ١٩ ]
وههنا يتضح جليا أن عمر -رضي الله تعالى - أمرهم بالاعتصام بالله ﷿ قائلا "وإني أدلكم على من هو أعز نصرا وأحضر جندا الله ﷿".
فنعم الله فإنه من استنصره نصره ومن سأله أعطاه ومن استغاث به أغاثه ومن فوض أمره إليه كفاه. (١) -
الموقف الثالث:
أخرج ابن سعد عن ثُمامة بن عبد الله قال: جاء أنسًا ﵁ أكّارُ بستانِه في الصيف، فشكى العطش، فدعا بماء فتوضأ وصلى، ثم قال: هل ترى شيئًا؟ فقال: ما أرى شيئًا، قال: فدخل فصلى ثم قال في الثالثة -أو في الرابعة-: انظر، قال: أرى مثل جناح الطير من السحاب، قال: فجعل يصلي ويدعو فقال له أكاره: قد استوت السماء ومطرت، فقال: اركب الفرس الذي بعث به بشر بن شَفاف فانظر أين بلغ المطر؟ قال: فركبه فنظر، قال: فإذا المطر لم يجاوز بستانه. (٢).
وهنا كيف اعتصم أنس -﵁- بربه فظل يصلي يطلب من ربه وينادي مولاه حتي جاءه الغيث وهطل عليه المطر وارتوت أرضه بالماء.
الموقف الرابع:
_________________
(١) حياة الصحابة ٣/ ٤٣٢.
(٢) حياة الصحابة-٣/ ٢٩٧
[ ٢٠ ]
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب مُجَابي الدعوة عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يُكنى أبا معلق، وكان تاجرًا يتَّجر بمال له ولغيره، وكان له نُسُك وورع، فخرج مرة فعقبه لصٌّ مقنع في السلاح، فقال: ضَعْ متاعك فإني فاتلك، قال: شأنك بالمال، قال: لست أريد إلا دمك، قال: فذرْني أصلِّ، قال: صلِّ ما بدا لك. فتوضأ ثم صلّى فكان من دعائه: يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعالًا لما يريد، أسألك بعزَّتك التي لا تُرام، وملكك الذي لا يُضام، وبنورك الذي ملأ أركان عرشك أن تكفيني شر هذا اللص، يا مغيث أغثني. قالها ثلاثًا؛ فإذا هو بفارس بيده حربة رافعها بين أذني رأسه، فطعن اللصَّ فقتله، ثم أقبل على التاجر، فقال: من أنت؟ فقد أغاثني الله بك، قال: إني مَلك من أهل السماء الرابعة؛ لما دعوتَ سمعتُ لأبواب السماء قعقعة، ثم دعوت ثانيًا فسمعتُ لأهل السماء ضجّة، ثم دعوتَ ثالثًا فقيل: دعاء مكروب، فسألتُ الله أن يوليني قتله، ثم قال: أبشر واعلم أنه من توضأ وصلى أربع ركعات ودعا بهذا الدعاء استجيب له مكروبًا كان أو غير مكروب؛ (١).
فهذا الصحابي الجليل لما اعتصم بالله ودعاه من شر هذا اللص أنقذه الله من الهلاك بملك أيَّدَه من السماء.
الموقف الخامس:
أخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن خوات بن جبير -﵁- أصاب الناسَ قحط شديد على عهد عمر بن الخطاب -﵁- فخرج عمر بالناس يصلي بهم ركعتين ثم بسط يده فقال اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك، قال فما برح من مكانه حتى مطروا، فبينا هم كذلك إذا الأعراب قدموا المدينة، فأتوا عمر بن الخطاب -﵁- فقالوا يا أمير المؤمنين بينا نحن بوادينا في يوم كذا في ساعة كذا إذ أظلنا بغمام وسمعنا فيها صوتا: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص. (٢).
فانظر -رعاك الله- كيف اعتصم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- بربه فاستغاث به واستسقاه فنزل الغيث وعم الخير واستبشر الجميع بفضل المولى القدير.
الموقف السادس:
_________________
(١) الإصابة ٤/ ١٨٢. حياة الصحابة ٣/ ٩٨.
(٢) حياة الصحابة ٣/ ٣٨٨.
[ ٢١ ]
وأخرج البيهقي عن أنس -﵁- قال: ثم جهز عمر بن الخطاب جيشًا واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي، قال أنس: وكنت في غزاته، فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد نفد الماء عندهم، والحر شديد، ثم مد يده إلى السماء وما نرى في السماء شيئًا قال: فوالله ما حط يده حتى بعث الله ريحا، وأنشأ سحابًا، فأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا، وسقينا، واستقينا، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا على، يا عظيم، يا حليم، يا كريم، وفي رواية -يا أرحم الراحمين يا حكيم يا كريم يا أحد يا صمد يا حي يا قيوم ذا الجلال والإكرام لا إله إلا أنت يا ربنا- ثم قال: أجيزوا باسم الله، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فأصبنا العدو غيلة، فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، (١).
نعم لقد اعتصم العلاء الحضرمي -﵁- بربه فدعاه واستغاث به فأنزل عليه الغيث ثم دعاه مرة ثانية فمشوا على البحر. إنه اعتصام عظيم برب عظيم كريم الذي إذا سئل أعطى وإذا دعي أجاب.
الموقف السابع:
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة -﵁- قال: بعث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - سرية وأمر عليهم عاصم بن ثابت -﵁- الحديث بطوله في قصة خبيب بن عدي -﵁- وفيه أن عاصمًا قال: لا أنزل في ذمة مشرك وكان قد عاهد الله أن لا يمس مشركًا ولا يمسه مشرك فأرسلت قريش ليؤتوا بشيء من جسده، وكان قتل عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله ﷿ عليه مثل الظلة من الدبر، فحمته من منهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئًا. لذلك يقال: "حمي الدبر" (٢).
وهنا حفظ الله عبده عاصمًا -﵁- وقد عاهد ربه واعتصم به أن لا يمسه مشرك أو هو يمس مشركا فنجاه الله ميتا أن يأخذوا من جسده شيئًا.