الاعتصام بالله عند الصالحات من إماء الله تعالى -:
الموقف الأول:
اعتصم بالله سارة -﵂- زوجة إبراهيم -﵇- لما ذهب إبراهيم -﵇- إلى أرض مصر.
_________________
(١) الفرج بعد الشدة-٥٤.
(٢) الفرج بعد الشدة- ٥٩.
(٣) أي لقمة.
(٤) الفرج بعد الشدة- ٦٥.
(٥) سورة النمل -٦٢.
[ ٢٥ ]
فعن أبى هريرة ﵁ قال قال رسول الله - ﷺ- «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: قوله حين دعى إلى آلهتهم (إنى سقيم) وقوله (فعله كبيرهم هذا) وقوله لسارة إنها أختي. قال ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس. قال فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه معك؟ قال أختي. قال أرسل بها. قال فأرسل بها إليه وقال لها لا تكذبي قولي فإنى قد أخبرته أنك أختي، ليس على الأرض مؤمن غيري وغيرك. قال فلما دخلت إليه قام إليها. قال فأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط عليَّ الكافر. قال فغط ﴿أي كبس وعصر حتي كاد أن يختنق﴾ حتى ركض برجله».
قال: فقال في الثالثة أو الرابعة "ما أرسلتم إلي إلا شيطانًا، ارجعوها إلى إبراهيم وأعطوها هاجر" -
قال- فرجعت فقالت لإبراهيم أشعرت أن الله ﷿ رد كيد الكافر وأخدم وليدة». (١).
وهنا يتضح جليًا هذا الاعتصام الذي اعتصمت به سارة -﵂- بربها حتي رد الله عنها كيد هذا الكافر وشر هذا الجبار.
الموقف الثاني:
واعتصم بالله هاجر -﵂- أم إسماعيل وزوجة إبراهيم -﵉- وذلك لما أتى بها إبراهيم -﵇- وبوليدها إسماعيل -﵇- بمكة وليس يومئذ أحد بها وليس بها ماء ولا شجر ولا أنس ولا أنيس، فوضعهما هناك ممتثلًا بأمر الله جل وعلا ثم مضى إبراهيم منطلقًا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شئ، فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا، قال: نعم. قالت إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال
_________________
(١) رواه البخاري وأحمد - انظر البداية والنهاية لابن كثير -١/ ٢١٦.
[ ٢٦ ]
[رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] ﴿إبراهيم:٣٧﴾.
وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال يتلبط- فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى من أحد، فلم تر أحدًا فهبطت من الصفا. حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس قال النبي ﷺ: "فلذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه، تريد نفسها. ثم تسمعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه -أو قال بجناحه- حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا، فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. (١).
اعتصمت بربها بقولها: إذن لا يضيعها - فما ضيعها ربها بل أتم عليها النعمة وعلي ولدها إسماعيل -﵇-.
الموقف الثالث:
واعتصمت بالله آسية بنت مزاحم زوجة فرعون لما أسلمت ودخلت في دين الله وآمنت بموسي -﵇- وأوذيت في سبيل دينها حتي عذبت وقتلت -﵂-
_________________
(١) رواه البخاري عن ابن عباس-انظر البداية والنهاية-١/ ٢٢١/٢٢٢ -
[ ٢٧ ]
قال أبو جعفر الرازي عن ابن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: كان إيمان امرأة فرعون من قبل إيمان امرأة خازن فرعون، وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون فوقع المشط من يدها فقالت: تعس من كفر بالله، فقالت لها ابنة فرعون: ولك رب غير أبي؟ قالت: ربي ورب أبيك ورب كل شئ الله، فلطمتها بنت فرعون وضربتها، وأخبرت أباها فأرسل إليها فرعون، فقال: تعبدين ربًا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك ورب كل شئ الله، وإياه أعبد، فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادًا، فشد رجليها ويديها، وأرسل عليها الحيات، وكانت كذلك فأتى عليها يومًا فقال لها: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك ورب كل شيء الله فقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي، فقالت له: إقض ما أنت قاض، فذبح ابنها في فيها وإن روح ابنها بشّرها فقال لها: أبشري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا فصبرت، ثم إن فرعون أتاها يومًا آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك فذبح ابنها الآخر في فيها فبشرها روحه أيضًا: اصبري يا أمه فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا قال: وسمعت امرأة فرعون كلامَ روح ابنها الأكبر ثم الأصغر فآمنت امرأة فرعون وقبض الله روح امرأة خازن فرعون وكشف الغطاء عن ثوابها ومنزلتها وكرامتها لامرأة فرعون، حتي رأت فازدادت إيمانًا ويقينًا وتصديقًا فأطلع الله فرعون على إيمانها، فقال للملأ: ما تعلمون في آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها فقال لهم: إنها تعبد غيري فقالوا له: اقتلها فأوتد لها أوتادًا فشد يديها ورجليها، فدعت آسية ربها فقالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) (١).
فوافق ذلك أن حضرها فرعون فضحكت حين رأت بيتها في الجنة فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها نعذبها وهي تضحك فقبض الله روحها -﵂- (٢).
الموقف الرابع:
_________________
(١) سورة التحريم.
(٢) تفسير ابن كثير ٨/ ٣٥٧٣.
[ ٢٨ ]
واعتصمت بالله أم موسى واسمها -أيارخا- وقيل -أياذخت- فلقد ألقى الله في خلدها وروعها أن تلقي بابنها في نهر النيل وألا تخافي ولا تخزني فإنه إن ذهب سيرده الله إليها وإن الله سيجعله نبيًا مرسلًا فكانت تصنع ما أمرت به، فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون فالتقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا.
قال تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ (٧) (١).
فرد الله إليها وليدها كما وعدها ربها: قال تعالى: فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) (٢).
الموقف الخامس:
واعتصمت بالله أم المؤمنين عائشة -﵂- في حادثة الإفك، تلك الحادثة التي زلزلت وطعنت في عرض رسول الله - صلي الله عليه وسلم - حتي قال لها النبي - صلي الله عليه وسلم - أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، وحينئذ قلص دمعها وقالت: والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث، والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا قول أبي يوسف قال: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.
ثم تحولت واضطجعت ونزل الوحي ساعته فسري عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم - وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة أما والله فقد برأك فقالت أمها: قومي إليه فقالت عائشة -﵂- والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله. (٣).
لقد كانت حادثة الإفك محنة عظيمة على عائشة -﵂- لكنها صبرت واعتصمت بربها ووكلت أمرها إليه فبرأها الله وطهرها ممن أرادوا الطعن في عرضها.
الموقف السادس:
_________________
(١) سورة القصص.
(٢) سورة القصص.
(٣) الرحيق المختوم ٢٣٢. انظر أيضًا صحيح البخاري وزاد المعاد.
[ ٢٩ ]
أخبرنا الصولي قال أخبرنا البر القاضي قال: رأيت امرأة بالبادية، وقد جاء البرد فذهب بزرع كان لها، فجاء الناس يعزونها، فرفعت رأسها إلى السماء، وقالت: اللهم أنت المأمول لأحسن الخلف، وبيدك العوض عما تلف، فافعل ما أنت أهله، فإن أرزاقنا عليك، وآمالنا منصرفة إليك.
قال: فلم أبرح حتى مر رجل من الأملاك، فحدث بما كان لها، فوهب لها خمسمأة دينار. (١).
لقد أحسنت الظن بالله معتصمة بربها مع دعاء وتضرع ففرج الله عنها.
الموقف السابع:
ذكر المدايني في كتابه: قال أبو سعيد، وأنا أحسبه الأصمعي: نزلت يوما بحي من كليب مجديين، قد توالت عليهم سنون، موَّتت الماشية، ومنعت الأرض خروج نباتها، وأمسكت السماء قطرها، فجعلت أنظر إلى السحابة ترتفع من ناحية القبلة سوداء متقاربة، حتى تطبق الأرض، ويشرف لها الحي ويرفعون أصواتهم بالتكبير.
فلما كثر ذلك، خرجت عجوز منهم فعلت شرفًا، ثم نادت بأعلى صوتها: يا ذا العرش، اصنع كيف شئت فإن أرزاقنا عليك.
فما نزلت من موضعها، حتى تغيمت السماء، فمطرت مطرًا كاد أن يغرقهم، وأنا حاضر. (٢).
الموقف الثامن:
قال المدايني في كتابه، إن أعرابية كانت تخدم نساء النبي ﷺ، وكانت كثيرًا ما تتمثل بهذا البيت:
ويوم الوشاح من تعاجيب ربّنا ألا إنه من ظلمة الكفر أنجاني
فقيل لها: إنك لتكثرين التمثل بهذا البيت، وإنا نظنه لأمر، فما هو؟ قالت: أجل، كنت عسيفة ﴿أجيرة﴾ على قوم من البادية. فجاءت جارية منهن فاختطفت وشاحَها عقابٌ ﴿نوع من الطيور الجارحة﴾ ونحن لا ندري. فقلت: إن الوشاح أنت صاحبته فحلفت واعتذرت فأبين قبول قولي واستدعين الرجال فجاؤا وفتشوني فلم يجدوا شيئًا، فلما خفت الشر رفعت رأسي إلى السماء فقلت: "يا رب أغثني" فمرت العقاب فطرحته بيننا، فندموا، وقالوا: ظلمنا المسكينة، وجعلوا يعتذرون إلى، فما وقعت في كربة إلا ذكرت ذلك، وهو يوم الوشاح، (٣).
الموقف التاسع:
_________________
(١) الفرج بعد الشدة-٤١.
(٢) الفرج بعد الشدة-٥٦.
(٣) الفرج بعد الشدة -٥٩.
[ ٣٠ ]
قال عبيد الله بن محمد القرشي: كانت امرأة من عباد أهل البصرة، وكان لها أولاد فأصابها مطر في بعض الليل فوكف عليها البيت، فجعلت تنقل أولادها من موضع إلى موضع، فلا يزداد الوكف إلا شدة. فلما أذلقها ذلك قالت: يا رفيق ارفق بي. قال: فما أصابها من ذلك المطر قطرة واحدة. (١).
الموقف العاشر:
قال الأصمعي: خرجت أعرابية إلى منى فقطع بها الطريق فقالت: يا رب أخذت وأعطيت وأنعمت وسلبت وكل ذلك منك عدل وفضل والذي عظم على الخلائق أمرك لا بسطت لساني بمسألة أحد غيرك ولا بذلت رغبتي إلا إليك يا قرة أعين السائلين أغثني بجود منك أتبحبح في فراديس نعمته وأتقلب في راووق نضرته، احملني من الرُجلة (٢)، وأغنني من العَيلة (٣)، وأسدل عليَّ سترك الذي لا تخرقه الرماح ولا تزيله الرياح إنك سميع الدعاء. (٤)،
فما أكرم هذا الإنسان لما ينزل بحاجته إلى ربه ويعتصم به وحده ويدعوه وحده. فهذه الأعرابية قد فقدت كل شئ إلا أن العجب من استغاثتها بربهاوتمسكها بخالقها وحسن ظنها بمعبودها جل وعلا، فنعم بالله فهو نعم المولي ونعم النصير.