حال من اعتصم بغير الله:
إن الاعتصام بغير الله هلاك وخسران في هذه الدنيا والآخرة، إذ لا نجاة للعبد إلا بالاعتصام به وحده، فمن اعتصم بغيره ذل وضل وقل ولقد أحسن بعضهم إذ قال: "من اعتصم بماله قل ومن اعتصم بالله لا قل ولا ضل ولا ذل".
نَعَم من اعتصم بغير الله عاش ذليلًا حقيرًا متشتتًا متبعثرًا، ولقد ضرب الله في كتابه أمثلة فيها بيان حال من اعتصم بغيره.
المثال الأول:
ابن نوح -﵇- الذي اعتصم بغير الله. قال تعالى: وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ (٤٣) (٣).
قال ابن كثير -﵀- هذا هو الابن الرابع واسمه يام، وكان كافرًا، دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثل ما يغرق الكافرون، ولكنه اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رؤوس الجبال، وليس شئ يعصم من أمر الله (٤).
فلما ظن أن المخلوق الذي هو الجبل سينجيه خذله الجبل وجاء أمر الله فهلك.
المثال الثاني:
_________________
(١) سورة النساء.
(٢) سورة المنافقين ٨.
(٣) سورة هود.
(٤) تفسير ابن كثير ٤/ ١٧٩٢.
[ ٣٢ ]
ذكر الله تعالى حال المنافقين الذين اضطربت أحوالهم وتشتت أوضاعهم فهم في ذبذبة عجيبة وتردد غريب بين أهل الإيمان وأهل الكفر وذلك لما فقدوا الإيمان بالله واعتصموا بغيره.
قال تعالى: إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) (١).
المثال الثالث:
لقد ذكر الله تعالى واضحًا جليًا حال أولئك الذين ضلوا السبيل وأضاعوا الطريق وآمنوا بغيره واعتصموا بدونه.
فقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ (٤٢) (٢).
هذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت، فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء، وهذا بخلاف المسلم المؤمن قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها. (٣).
المثال الرابع:
في قوله تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤) (٤).
دلالة واضحة ومثال عجيب أن هولاء الذين يعتصمون بغير الله أو يدعون غير الله لفي ضلال كبير،
_________________
(١) سورة النساء.
(٢) سورة العنكبوت.
(٣) تفسير ابن كثير ٦/ ٢٦٩٦.
(٤) سورة الرعد.
[ ٣٣ ]
قال على بن أبي طالب -﵁- كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده، وهو لا يناله أبدًا بيده، فكيف يبلغ فاه؟ (١).
فهذا حال أولئك الذين انفصمت عُراهم عن الله جل وعلا فلا ينتفعون أبدًا لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة.