واعتصم بالله نبي الهدي ورسوله المجتبى محمد بن عبد الله - صلي الله عليه وسلم- في حياته كلها وقد اخترت ثلاثة من المواقف لنبينا الكريم - صلي الله عليه وسلم - سألًا جل وعلا أن يرزقنا الاعتصام به في كل شأن من شؤون حياتنا؟
الموقف الأول:
_________________
(١) سورة يوسف.
(٢) سورة يوسف.
(٣) سورة يوسف.
[ ١٥ ]
عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - ﵄ - أَخْبَرَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَأِلَةُ فِى وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِىٌّ فَقَالَ «إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَىَّ سَيْفِى وَأَنَا نَأِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِى يَدِهِ صَلْتًا». فَقَالَ مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّى فَقُلْتُ «اللَّهُ». ثَلاَثًا وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ.
في رواية قال جابر: كنا مع النبي ﷺ بذات الرقاع فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي ﷺ فجاء رجل من المشركين وسيف النبي ﷺ معلق بالشجرة فاخترطه فقال تخافني؟ قال (لا). قال فمن يمنعك مني؟ قال (الله).
وفي رواية أبي بكر الإسماعيلي في "صحيحه"، قَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: (اللهُ). قَالَ: فَسَقَطَ السيفُ مِنْ يَدهِ، فَأخَذَ رسولُ الله - ﷺ - السَّيْفَ، فَقَالَ: (مَنْ يَمْنَعُكَ مني؟). فَقَالَ: كُنْ خَيرَ آخِذٍ. فَقَالَ: (تَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وَأَنِّي رَسُول الله؟) قَالَ: لاَ، وَلَكنِّي أُعَاهِدُكَ أنْ لا أُقَاتِلَكَ، وَلاَ أَكُونَ مَعَ قَومٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبيلَهُ، فَأَتَى أصْحَابَهُ، فَقَالَ: جئتُكُمْ مِنْ عنْد خَيْرِ النَّاسِ (١).
_________________
(١) متفق عليه.
[ ١٦ ]
فههنا يتضح لنا جليا كيف اعتصم رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بربه وقد وقف الأعرابي بسيفه - صلي الله عليه وسلم - ليقتله وأصحابه نائمون ولكنه - صلي الله عليه وسلم - رد عليه بقوله: الله؟ فكأن لفظ الجلالة زلزل قلب الأعرابي حتي سقط السيف من يده فالحافظ هو الله والمحيي هو الله والمميت هو الله ونعم بالله جل وعلا.
الموقف الثاني:
لما هاجر النبي - صلي الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة مكث في غار ثور ثلاثة أيام ليستخفي هو وصاحبه أبو بكر -﵁ - من أعين المشركين، ولكنهم تتبّعوا آثار النبي - صلي الله عليه وسلم- وصاحبه حتي وصلوا إلى الغار، ولكن الله أعمي أبصارهم ونجى نبيه - صلي الله عليه وسلم. فعن أبي بكر -﵃ - قَالَ: نَظَرتُ إِلَى أَقْدَامِ المُشْرِكينَ وَنَحنُ في الغَارِ وَهُمْ عَلَى رُؤُوسِنا، فقلتُ: يَا رسولَ الله، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيهِ لأَبْصَرَنَا. فَقَالَ: (مَا ظَنُّكَ يَا أَبا بَكرٍ باثنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا) (١).
ولقد سطّر الله هذه الحادثة في كتابه الكريم "إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا" (٢).
وهكذا حفظ الله نبيه وصاحبه ورد كيد الكافرين ودحر شرهم؟
الموقف الثالث:
وهذا المشهد من المشاهد العظيمة لنبينا - صلي الله عليه وسلم - وذلك في غزوة بدر الكبري. وتلك الغزوة كانت عظيمة في الإسلام لأنها كانت أول لقاء بين المسلمين والمشركين وهي الفرقان كما ذكر في كتاب الله ﷿. قال تعالى: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ. (٣) -
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) سورة التوبة - ٤٠.
(٣) ٥٨؟ سورة الأنفال - ٤١.
[ ١٧ ]
وظل نبينا - صلي الله عليه وسلم - يناشد ربه ما وعده من النصرويقول: "اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك" حتى إذا حَمِيَ الوَطِيسُ، واستدارت رحى الحرب بشدة واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها، قال: (اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا). وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك. (١).
وبعد هذا التضرع العجيب والابتهال العظيم والاعتصام الكبير بالله جل وعلا جاء النصر المبين والفتح العظيم، ونصر الله نبيه - صلي الله عليه وسلم - أصحابه وخذل الله الكافرين والمشركين. ويالله ولهذا الاعتصام به جل وعلاه حتي سقط ردائه- صلي الله عليه وسلم - فلبى الله ندائه وأجاب دعوته وقبل ابتهاله.
وهكذا المؤمن يعتصم بربه في كل الأمور فيرى الخير العميم والنصرالعظيم والفتح المبين من عنده ﷾.