واعتصم بالله نبي الله يونس -﵇- وقد أرسله الله تعالى إلي أهل قرية -نينوى- وهي قرية في أرض الموصل بأرض العراق، فدعاهم إلي الله ﷿، فأبوا عليه وتمادوا في كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم؟ ثم ركب سفينة مع قوم، فلجّجت بهم وخافوا أن تغرق بهم، فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس -﵇- فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضا فأبوا، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضا، فقام يونس -﵇- وتجرد من ثيابه، ثم ألقي نفسه بالبحر، وقد أرسل الله تعالى إليه حوتا يشق البحار، فجاء فالتقمه، وأوحى الله إلي ذلك الحوت ألا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما، فإن يونس ليس لك رزقا، وإنما بطنك يكون له سجنا. (٤)
فما كان منه إلا أن نادى ربه في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل، واعتصم بربه بهذا الدعاء كما قال جل وعلا: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥)؟
_________________
(١) تفسير ابن كثير -٥/ ٢٣٢٤ -
(٢) تفسير ابن كثير -٥/ ٢٣٢٤ -
(٣) سورة الأنبياء -٦٩ -
(٤) تفسير ابن كثير -٦/ ٢٣٢٨ -
(٥) سورة الأنبياء - ٨٧ -
[ ١٠ ]
وعن أنس ﵁: أن يونس حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال: اللهم ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين﴾ فأقبلت هذه الدعوات تحف العرش فقالت الملائكة: يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة! فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا ربنا ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يرفع له عمل متقبل ودعوه مجابة؟! قال: نعم. قالوا: يا رب، أفلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء فأنبت الله عليه اليقطينة. (١).
وقال عوف الأعرابي: لما صار يونس في بطن الحوت ظن أنه قد مات ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه ثم نادى يا رب اتخذت لك مسجدا في موضع ما اتخذه أحد (٢).
وهكذا نجى الله نبيه يونس -﵇- وأخرجه من بطن الحوت؛ قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ. (٣)
وذلك لما اعتصم بربه والتجأ إليه وناداه وحده ﷾؟