منها قوله - ﷺ -: "لا تقومُ الساعة حتى يكونَ أسعدَ الناس بالدُنيا لُكع بنُ لُكع" (٢) رواه الإمام أحمد والترمذي، والضياء عن حُذَيفَة وابن مردوية عن علي و"اللكع" (٣): العبد والأحمق واللئيم، والمعنى: لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ اللئام والحمقاء ونحوهم رؤساء الناس،
_________________
(١) ما أثبت من (ب، ط).
(٢) رُوي عن غير واحد من الصحابة. فروي عن أبي هريرة رواه أحمد ٢/ ٣٢٦ (٨٣٢٠ م)، ٨٣٢٢، وابن عديّ في الكامل ٦/ ٢١٠١، والبزار (٣٣٥٨ - كشف الأستار). وروي عن أبي بردة بن نيار رواه أحمد ٣/ ٤٦٦ وسنده حسن. والطبراني في الكبير ٢٢/ (٥١٢). وعن حذيفة بن اليمان عند الترمذي (٢٢٠٩)، ونعيم بن حماد (٥٥٤)، وأحمد ٥/ ٣٨٩، ٥/ ٤٣٠، وتهذيب الكمال (٢٣٤١٥). وعن بعض أصحاب النبي - ﷺ - عند أحمد ٥/ ٤٣٠، والطحاوي في شرح المشكل (٢٠٥١)، ونعيم بن حماد ٢/ ٤٦٥ (١٣١٢). وعن أنس بن مالك: الطبراني في الأوسط (٦٣٢)، وأورده الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٢٥ - ٣٢٦ وقال: رجاله رجال الصحيح غير الوليد بن عبد الملك بن مسرح وهو ثقة. وابن حبَّان (٦٧٢١)، والضياء في المختارة (٢٧٢٧). وعن الزهري مرسلًا: نعيم بن حماد ١/ ٢٠١.
(٣) في (ط): (والكع).
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وقد ولع أهل الأدب في هذا المعنى؛ لأنَّ الدهر فوق نبال الحرمان لذوي الفطانة والرجحان، فمن ذلك قول بعضهم وقد أحسن للغاية:
أرى حُمرا تُروى وتأكل ما تَهوى وأسدًا جياعا تظمأ الدّهر لا تروى
وأشرافُ قوم لا ينالون قُوتهم وقومًا لئامًا يأكلوا المنّ والسّلوى
قضاء لجبَّارِ السموات سابق وليس على ردّ القضا أحدٌ يقوى
ومن عرف الدَهر الخؤون وعدله فيصبر في البلوى، ولم يظهر الشكوى
وأيقن أنَّ الرّزق لابدَ أن يجيء لميقاته فليصحب البرّ والتَّقوى
وقال الآخر:
لا خير في دهر تعزُّ لئامُه وبعكس ذي الأشياء تهان كرامه
وابن السفَاهَة إن تولى رتبة بين الملأ زادَ الكَلامُ كلامه
وهذا باب واسع جدًا ومن ذلك أي من الأمارات قوله - ﷺ -: "يأتي على الناس زمانٌ الصابر على دينه كالقابض على الجمر" (١) رواه
_________________
(١) جاء في هامش الأصل ما يلي: قوله الصابر على دينه كالقابض على الجمر، هذا كناية منه - ﷺ - عن عدم المساعد والمعاون في الدين وقلة وفاء الخلق حين يكون المال والسعة للكع بن لكع وقد ولي الأمور السفلة فلا يُرى الفقير إلا بائسًا فهو في همِّ دينه وهَمِّ دنياه، فلا هو قادر على ما يعول أهله ليتخلى للعبادة، ولا الأمر منتظم له لينال مراده وَلعمرِ الله إن زماننا هذا موجود فيه وزيادة فيالله كم من ذي فطنة يقول: ألا موت يباع فاشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه ألا موت لذيذ الطعم حتَّى يخلصني من العيش الكريه إذا أبصرت قبرًا من بعيد وددت أنني مما يليه
[ ٢ / ٥١٠ ]
الترمذي عن أنس (١).
وقوله - ﷺ -: "لا تقوم الساعةُ حتَّى يتباهَى الناسُ في المساجد" رواه الإمام أحمدُ وأبو داود وابن ماجة وابن حبَّان، عن أنس - ﵁ - (٢).
وقوله - ﷺ -: "يكون في آخر الزمان عبادٌ جهال وقراء فسقه" (٣) وفي لفظ فُسَّاق رواه أبو نعيم والحاكم عن أنس.
_________________
(١) رواه الترمذي في سننه ٤/ ٥٢٦ (٢٢٦٠) وقال عقبة: هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي العلل ت (٦١١). وابن عديّ في الكامل ٦/ ١١٣ ترجمة عمر بن شاكر. والمزي في التهذيب ٢١/ ٣٨٥ - ٣٨٦ جميعهم من رواية أنس. وأخرجه أحمد ٢/ ٣٩٠ - ٣٩١ (٩٠٧٣) من رواية أبي هريرة بلفظ: "المتمسك يؤمئذ بدينه كالقابض على الجمر" أو قال: "على الشوك". وذكره الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٨١ - ٢٨٢ وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح. وله شاهد آخر من رواية أبي ثعلبة الخشني كان حديث مطول عند أبي داود ٢/ ٥٢٦ (٤٣٤١)، والترمذي ٥/ ٢٥٧ (٣٠٥٨)، وابن ماجة ٢/ ١٣٣٠ (٤٠١٤)، وابن حبَّان (٣٨٥) "بلفظ فإن من وراءكم أياما، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر".
(٢) رواه أحمد ٣/ ١٣٤ و١٤٥ و٢٣٠، وأبو داود (٤٤٩)، والنسائيُّ ٢/ ٣٢، وابن ماجة (٧٣٩)، وابن خزيمة (١٣٢٢)، وابن حبَّان (١٦١٤) و(٦٧٦٠)، وأبو يعلى (٢٧٩٨)، والضياء في المختارة (٢٢٣٦)، وابن حجر في "تغليق التعليق" ٢/ ٢٣٦.
(٣) المجروحين (٣/ ١٣٥) ميزان الاعتدال (٤/ ٤٦٩) الحاكم (٤/ ٣١٥) الحلية لأبي نعيم (٢/ ٣٣١) وانظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١٥١) وضعفه الذهبي كما في الميزان والعراقي في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين.
[ ٢ / ٥١١ ]
ومنها أن يُرى الهلال ساعة يطلع فيُقال: "لليلتين لانتفاخه وكبره" (١) روى معناه الطبراني عن ابن مسعود. وفي لفظ "من أشراط الساعة انتفاخُ الأهلة" بالخاء المعجمة أي عظمها يُقال: رجلٌ منتفخٌ ومنفوخ أي سمين وروى بالجيم من انتفج جنبا البعير إذا ارتفعا وعَظُما خلقةً يُقال نفجت الشيء فانتفج أي رفعته وعظمته.
ومنها: اتخاذُ المساجد طرُقا (٢).
ومنها ما أخرجه أبو نعيم في "الحلية" عن أنس - ﵁ - مرفوعًا: "من اقتراب الساعة اثنان وسبعون خصلة، إذا رأيتم الناس أماتوا الصّلاة وأضاعوا الأمانة وأكلوا الربا، واستحلوا الكذب، واستخفوا بالدّماء، واستعلوا البناء وباعوا الدين بالدنيا، وتقطعت الأرحام، ويكون الحكم ضعفا، والكذب صدقا، والحرير لباسا، وظهر الجور، وكثر الطلاق، وموت الفجأة، وائتمن الخائن، وخُوِّنَ الأمين وصُدِّق الكاذب، وكُذِّبَ الصادق، وكثر القذف، وكان المطر قيظًا (أي في الصيف فلا يُفيد شيئًا) والولد غيظًا (أي يغيظ والديه بعقوقه)، وفاض اللئام فيضا، (أي: كثروا) وغَاظَ الكرام غيظا (أي: نقصوا)، وكان الأُمراء والوزراء والأمناء خونة، والعرفاء ظلمة، والقراء فسقه إذا لبسوا مسوك (أي: جلود) الضأن قُلوبهم أنتنُ من
_________________
(١) رواه الطبراني في "الأوسط" (٩٣٧٦) من حديث أنس بنحوه. وأورده الهيثمي ٣/ ١٤٧ من حديث أبي هريرة وفيه من لا يعرف.
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ٤٤٦).
[ ٢ / ٥١٢ ]
الجيفة، وأمرُّ من الصبر، يُغشيهم الله فتنة يَتَهَاوَكُون فيها (أي: يتساقطون فيها) تهاوك اليهود والظّلَمة، وتظهرُ الصفراء (يعني: الدنانير)، وتُطلَبُ البيضاء، (يعني: الفضَّة) وتكثر الخطباء (أي: فلا يخطبون حينئذ لله، ولا للاستحقاق وإنما يشترون وظيفة الخطابة، فيكثر الراغبون في ذلك)، ويقلّ الأمر بالمعروف، وحُلِّيت المصاحف، وصوّرت المساجد، وطوِّلت المنابر، وخرِّبت القلوب، وشرُبت الخمور، وعُطّلت الحدود، وولَدتِ الأمةُ ربّتها وترى (١) الحفاةَ العراةَ صاروا ملوكا، وشاركت المرأة زوجها في التجارة، وتشبَّهَ الرجالُ بالنساء والنساء بالرجال، وحُلف بغير الله، وشهدَ المَرْءُ من غير أن يُستشهد، وسلم للمعرفة أي ما ابتدأه بالسلام إلا لمعرفته له، وتفقه لغير الله، وطُلِبت الدُنيا بعمل الآخرة، واتخذ المغنم دُوَلًا، (وهو بضم الدال وفتح الواو يجمع على دُوُلة بالضم ما يُتداول من المال، فيكون لقوم دون آخرين ومعناه: إذا اختُص الأغنياء وأرباب المناصب بأموال الفيء (٢)، ومنعوها مستحقيها كما في النهاية. والله أعلم) والأمانة مغنما، (يعني الوديعة)، والزكاة مغرما، وكان زعيم القوم (أي ضمينهم) أرذلهم، وعق أباه الرجُل، وجفا أمّه وبَرّ صديقه، وأطاع امرأته، وعَلتْ أصواتُ الفسقة في المساجد، واتُّخذَتِ القيناتُ (جمع قينة، وهي المغنية) والمعازف، (وهي: آلات اللهو) وشربت الخمور في
_________________
(١) في (أ) و(ط) تمرات وفي ب (وترا) وما أثبت من المحقق.
(٢) في (أ) الغني والمثبت من (ب) و(ط).
[ ٢ / ٥١٣ ]
الطّرق، واتُّخذ الظُّلم فخرًا وبيع الحكم، وكثرت الشُرَط واتّخذ القرآن مزامير، وجلود السّباع صفافا، بأن يجعل على السروج كما يفعله وزراء زماننا، ولَعَن آخِرُ هذه الأمّة أوّلَها، فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمرا، وخَسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات (١).
ومنها ما رواه الإمام أحمد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن سلمان موقوفًا والحسنُ بن سفيان وابن عساكر مرفوعًا "إذا ظهر القول وخُزن العمل، وائتلفتِ الألسن واختلفت القُلوب، وقَطع كلّ ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم" (٢).
ومنها ما أخرجه أبو الشيخ وعويس والديلمي عن أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من اقتراب الساعة إذا رأيتم الناس أضاعوا الصلاة، وأضاعوا الأمانة واستحلوا الكبائر، وأكلوا الربا وأكلوا الرشا وشيَّدوا: (أي طولوا ورفعوا البناء ويحتمل أن يُرادَ جصّصوها، وعملوها بالشيد)، واتبَّعوا الهوى، وباعوا الدين بالدنيا، واتخذوا القُرآن مزامير، واتخذوا جلودَ السباع صفافا، والمساجد طرقا، والحرير لباسا، وأكثروا الجَور وفشا الزنا، وتهاونوا بالطلاق،
_________________
(١) الحلية ٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩ وقال أبو نعيم: غريب من حديث عبد الله بن عبيد بن عمير، لم يروه عنه فيما أعلم إلا فرج بن فضالة، وإسناده ضعيف.
(٢) رواه الطبراني في الأوسط (١٥٧٨) والكبير ٦/ (٦١٧٠)، وأبو نعيم ٣/ ١٠٩ من حديث سلمان، وأورده الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٨٧ وقال: فيه جماعة لم أعرفهم، قلت: إسناده ضعيف جدًا.
[ ٢ / ٥١٤ ]
وائتمن الخائن وخوّن الأمين، وصار المطر قيظا، والولد غيظا، وأمراء فجرة، ووزراء كذبة، وأمناءُ خَوَنة، وعُرَفَاءُ ظلمة، وقلَّت العُلماء وكثرت القُراء وقلّتِ الفُقهاء وحُلِّيت المصاحفُ وزخرفت المساجدُ، وطوّلت المنابر، وفَسدتِ القلوب، واتخذ القينات والمعازف، وشربت الخمور، وعُطلّت الحدود، ونُقصت الشهور، (أي بالصّاد المهملة بأن يكون أكثرُها ناقصات) ونُقضت المواثيق، (بالضاد المعجمة والمواثيق جمع ميثاق وهو العهد، ونقضها عدم الوَفَاء بها)، وشاركت المرأة زوجها في التجاوة، وركب النساء البراذين: (جمع برذون بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة فواو ساكنة فنونُ الدابة من الخيل، والمعنى ركبت النساء الخيل كما في بعض الروايات السروج)، وتشبهت النساء بالرجال والرجال بالنساء، ويحلف بغير الله، ويشهد الرجل من غير أن يُستشهد، وكانت الزكاة مغرما، والأمانة مغنما، وأطاع الرَّجل امرأته وعقّ أمّه، وقرَّب صديقه وأقصى أي (أبعد أباه)، وصارت الإمارات مواريث، وسبَّ آخرُ هذه الأمة أوّلها، وأكرمَ الرَّجلُ اتّقاء شرِّه، وكثرت الشّرط، وصعد الجُةَال المنابر، ولبس الرجل التيجان، وضيّقت الطرقات، وشيِّد البناء واستغنى الرجال بالرّجال، والنّساء بالنّساء، وكثرت خطباء منابركم، وركن علماؤكم إلى ولاتكم، فأحلوا لهمُ الحرام، وحرَّمُوا عليهم الحلال، وأفتوهم بما يشتهون، وتعلم علماؤكم ليجلبوا دنانيركم، ودواهمكم واتَّخذْتم القرآن
[ ٢ / ٥١٥ ]
تجارة، (أي: أخذتم أجره على قراءته) (١)، وضيعتم حق الله في أموالكم، وصارت أموالكم عند شِراركم، وقطعتمُ أرحامَكم، وشربتم الخمور في ناديكم، ولعبتم الميسر أي بالقمار، ومنه: "الشطرنج ميسر العجم"، وعرضتم بالكبر (بفتحتين الطبل)، والمعزفة والمزامير، ومنعتم محاويجكم زكاتكم، ورأيتموها مغرما، وقُتل البرئ ليغيظ العامَّة (أي: قتل الذي لا قود عليه ليغيظ أقاربه ويترك القاتل، فهو جمع بين قبحين: قتلُ من لا قود عليه، وتركُ من عليه القود، فيفعلون ما نُهوا عنه (٢)، ويتركون ما أمروا به)، واختلفت أهواؤكم، وصار العطاء في العبيد والسقاط، وطفُف المكاييل والموازين، ووليت أموركم
_________________
(١) في (أ): أخذتم على أجرة قراءته، والمثبت من (ب) و(ط).
(٢) جاء في هامش الأصل هذا الكلام: قوله فيفعلون ما نهوا عنه إلخ. . ولا شك أن الأنفس جبلت على كراهتها أن تدخل تحت أمر أحد إلا من وفقه الله فيستلذ بامتثال أوامر ربه حتَّى إنه ليتنعم بذلك أشد التنعم وقد صار مجبولًا على حب أمره فليس له في غير ذَلِكَ مطمع، بينهم إذا سمع النداء كأنه يشير له يقفو رضاه وشرع كما قال من ذاق لذة ذَلِكَ: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة حبا لذكرك فليلمن اللوم وأما الأنفس الخبيثة فهي بمعزل عن هذه الأوصاف الرفيعة حتَّى نرى كثيرًا من الناس يعمل شيئًا لو كلف عمله ما فعله أبدًا ويترك أشياء كلف بها لو لم يكلف بذلك ما تركها أبدًا والله الموفق (مؤلف من خطه نقل).
[ ٢ / ٥١٦ ]
السفهاء" (١).
ومنها: "إذا وسِّد الأمر وفي لفظ: أُسندَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظروا الساعة" رواه البخاري (٢)، ولا شك أنّ هذا من اقتراب الساعة، وما أحسن قول القائل:
يا دهرًا عملتَ فينا أذاكا (٣) ووليتنا بعدَ وجهٍ قفاكا
علَّيْتَ الشرار علينا رؤوسا وأجلستَ سِفْلتنا مستواكا
فيا دهرُ إن كُنت عاديتنا فها قد صنعت بنا ما كفاكا
ومنها: أن الشيطان يتمثل في صورة الرجل، فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب، فيتفرقون فيقولُ الرجل منهم: سمعت رجلًا أعرفُ وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث. رواه مُسلم في مقدمة صحيحه (٤)، عن ابن مسعود.
وأخرج أيضًا عن ابن عمر - ﵄ -، أن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان، يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا (٥).
_________________
(١) ذكره الهندي في كنز العمال (١٤/ ٥٧٣) رقم ٣٩٦٣٩ وجاء في الحديث عن حذيفة وابن عباس في الدر المنثور وتفسير سورة محمَّد آية (١٨) الإشاعة ص ٨٣ وهو بنحو حديث أنس المتقدم، وعليه أمارات الوضع.
(٢) رواه البخاري (٥٩).
(٣) نسبة الأثر إلى الدهر خلاف المشروع.
(٤) مسلم ١/ ١٢ من طريق عبد الرزاق، وهو في المصنف ١١/ ٣٨٣ عن عبد الله بن عمرو.
(٥) مسلم ١/ ١٢.
[ ٢ / ٥١٧ ]
ومنها: ما أخرجه الإمام أحمد والحاكم وابن ماجة (١) عن أنس
- ﵁ -، "إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم،
والعلمُ في رذالكم والمداهنة في خياركم"، يعني: فتقرب إقامة الساعة.
وفي أثناء حديث عمرَ - ﵁ -، عند مسلم في قصة جبريل ﵇ قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال - ﷺ - "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" قال: فأخبرني عن أماراتها قال: "أن تلدَ الأمة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشّاء يتطالون في البنيان" الحديث (٢). قال الحافظ ابن رجب، في (شرح الأربعين النووية) (٣): يعني أن علم الخلق في وقت الساعة سواء قال: وهذا إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها، ولهذا في حديث أبي هريرة قال - ﷺ -: "في خمس لا يعلمهن إلا الله ثمَّ تلا ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤] (٤). وقال ﷾: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ١٨٧] وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات.
_________________
(١) رواه أحمد ٣/ ١٨٧، وابن ماجة (٤١٠٥)، وأبو نعيم ٥/ ١٨٥ بنحوه، وإسناده لا بأس به.
(٢) مسلم ١/ ٣٦ وتقدم والبخاري (٤٧٧٧).
(٣) وهو جامع العلوم والحكم. الحديث الثاني.
(٤) البخاري (٤٧٧٨).
[ ٢ / ٥١٨ ]
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر مرفوعًا "مفاتيح الغيب خمس لا يعلّمها إلا الله" ثمَّ قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية (١).
وخرّجهُ الإمامُ أحمد (٢) ولفظه أن النبي - ﷺ - قال: "أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمسُ" ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
وخرج أيضًا (٣) عن ابن مسعود - ﵁ - قال: أوتي نبيكم - ﷺ - مفاتيح كُل شيء غير خمس ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية.
فبما ذكرنا علم أن علم الساعة كبقية الخمس، لم يَطَّلِعَ عليه أحدٌ إلا الله ﷾، ليس إلا والذي حَمَلنا على ذكر هذا هُنا هو أنَّا اجتمعنا ببعض من يُظَنُّ به الفضلُ فزعم أن آحاد الأولياء فضلًا عن الأنبياء أطلعه الله على علم الساعة، كبقية الخمس فعارضته بالآيات الصريحة، والأخبار الصحيحة، فكابر ولم يرعو، ولا جرم أن في زعمه مصادمة للكتاب والسنة، ولم نر أحدًا ممَّن يُعتمد على كلامه ذكر في شرح هذا الحديث ما ذكره هذا القائل، بل ابن حجر الهيتمي (٤) نقل عبارة الحافظ ابن رجب ولم يذكر غيرها، ثمَّ قال في آخرها ففيه أنَّه ينبغي للمفتي والعالم وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن
_________________
(١) البخاري (٤٦٩٧).
(٢) المسند ٢/ ٨٥.
(٣) المسند ١/ ٣٨٦.
(٤) في كتابه "فتح المبين لشرح الأربعين" ص ٨٢.
[ ٢ / ٥١٩ ]
يقول: لا أعلم وإنّ ذلك لا يُنقصه، بل يُستدلُ به على ورعه وتقواه، وكذا ذكر تلميذ الطوفي في شرحه كهو، فلا أدري من أين هذا القائل علم أنَّ آحاد الأولياء علم (١) ذلك فلينتبه، والله الموفق.
والحاصل أن النّبي - ﷺ -، ذكر في الحديث علامتين الأولى: أنْ تلد الأمة ربتها: أيّ سيِّدتها، وفي حديث أبي هريرة ربَّها قال الحافظ ابن رجب: وهذا إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرقيق، حتى تكثر السراري، ويكثر أولادهن، فتكون الأمة رقيقة لسيدها، والأولاد منها بمنزلته، فإن وَلد السَّيّد بمنزلته فيصير ولد الأمة بمنزلة ربها ثمَّ قال: وقد فُسِّر قولهُ: "تلد الأمة ربتّها" بأن يكثر جلب الرقيق؛ حتى تُجلب البنت، فتعتق ثمَّ تجلب الأمّ فتشتريها البنت، وتستخدمها جاهلةً بأنها أمها.
قال: وقد وقع هذا في الإِسلام وقيل معناه: أن الإماء يلدنَ الملوك، وقال وكيع يلد العجم العرب والعرب ملوك العجم، وأرباب لهم. انتهى كلامُ الحافظ ابن رجب (٢).
زاد ابن حجر أو عقوق الأولاد لأمّهاتهم، فيعاملونهم معاملة السيد لأمته من الإهانة، والسّبّ قال: ويستأنس له برواية أن تلد المرأة ولم يذكر ابن حجر قول وكيع والله أعلم.
_________________
(١) المثبت من (ب)، و(ط) وفي (أ) على.
(٢) وقد يستجد أمور لا يعلمها إلا الله مثل ما يحصل في هذه الأزمنة من استئجار الأرحام وغيرها.
[ ٢ / ٥٢٠ ]
الثانية: قوله - ﷺ -: "أنْ ترى الحُفاة" إلخ: المرادُ بالعالة الفقراء وقوله رعاء الشاء (١) يتطاولون في البنيان. قال الحافظ ابن رجب: هكذا في حديث عمر والمراد: أن أسَافِلَ الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتى يتباهون بطول البنيان، وزخرفته وإتقانه، وأطال الحافظ في شرح الحديث والله الموفق.
_________________
(١) كذا في (أ) والمثبت من (ب)، و(ط) الشاة.
[ ٢ / ٥٢١ ]