أخرج الإمام أحمد في الزهد، وابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن قال: لما خلق الله آدمَ وذريته قالت الملائكة: إنَّ الأرض لا تسعهم. قال: إني جاعلٌ موتًا. قالوا: إذن لا يهنؤهم عيش. قال: إني جاعل أملًا (٢).
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: لما هبط آدم ﵇ إلى الأرض قال له ربه: ابن للخراب ولدْ للفناء (٣).
واعلم أن الموت ليس بعدم محض، ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وانتقال من دار إلى دار. وهو من أعظم المصائب، وقد حماه الله تعالى مصيبة في قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المَائدة: الآية ١٠٦]، فهو المصيبة العظمى، والرزية
_________________
(١) كذا قال وهي سبعة فصول فقط.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ١٩٧. وعزاه في الدر المنثور ١/ ١١٤ إلى ابن أبي الدنيا في "الأمل".
(٣) "حلية الأولياء" ٣/ ٢٨٦، والزهد لابن المبارك (٢٥٨). في حاشية "ط" شعر من بحر الوافر قليل عمرنا في دار دنيا وخرجنا إلى تحت التراب نادى كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب
[ ١ / ١١ ]
الكبرى، وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفكير فيه وترك العمل له، مع أنه فيه عبرة لمن اعتبر، وفكرة لمن أفتكر، وقد رُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "لو أَنَّ البهائم تعلم من الموتِ ما تعلمون ما أكلتم مِنْها سمينًا" (١).
وقد نهى - ﷺ - عن تمني الموت والدعاء به لضرٍّ نزل به، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به في الدنيا، إن كان لابد متمنيًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي"، متفق عليه (٢).
وفي رواية: "لا يتمنين أحدكم الموت، / ٥/ ولا يَدْع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمرُهُ إلا خيرًا" (٣).
_________________
(١) رواه القضاعي (١٤٣٤)، والبيهقي في "الشعب" ٧/ ٣٥٣ من حديث أم حبيبة الجهنية. وإسناده ضعيف كما في "فيض القدير" ٥/ ٣١٥. ورواه ابن المبارك في "الزهد" عن الحسن بن صالح بلغنا أن رسول الله .. فذكره بلاغًا. وأورده الديلمي (٥٠٨٨) من حديث أنس. ورواه أبو نعيم في "الحلمة" ٦/ ٣٩٢، والذهبى في "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٥٧ من قول سفيان، وهو أشبه.
(٢) رواه البخاري (٥٦٧١) و(٦٣٥١) و(٧٢٣٣) ومسلم (٢٦٨٠) من حديث أنس ﵁.
(٣) رواه مسلَم (٢٦٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١ / ١٢ ]
وأخرج البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يتمنين أحدكم الموت، إمّا محسنًا فلعله أن يزداد، أو مسيئًا فلعله أن يستعتب" (١) أي: يرجع. لحال في "الصحاح" (٢): أعتبني فلان إذا عاد إلى مسرّتي راجعًا عن الإساءة، واستعتب، وأعتب بمعنىً.
وقال القرطبي في التذكرة: الاستعتاب طلبُ العُتبى وهو الرضى، وذلك لا يحصل إلا بالتوبة والرجوع عن الذنوب (٣).
وأخرج الإمام أحمد والبزار عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تمنَّوا الموت فإنَّ هَوْل المُطَّلع شديد، وإن من السعادةِ أن يطولَ عُمْرُ العبدِ حتَّى يرزقَه اللهُ الإنابةَ" (٤).
قال في النهاية (٥): المُطَّلع -بالتشديد-: مكان الاطلاع من موضع عال والمراد به هنا ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقب الموت تشبيهًا له بالمُطَّلع الذي يُشرَفُ عليه من موضع عال.
وأخرج الشيخان عن أنس ﵁ لولا أنَّ رسول الله - ﷺ - نهانا أن نتمنى الموت لتمنيناه (٦).
وتمنى سعدُ بن أبي وقاص ﵁ الموت والنبي - ﷺ -
_________________
(١) البخاري (٥٦٧٣).
(٢) الصحاح (١/ ١٧٦).
(٣) "التذكرة" ص ١٧.
(٤) رواه أحمد ٣/ ٣٣٢ (١٤٥٦٤)، والبزار كما في "كشف الأستار" (٣٢٤٠ و٣٤٢٢). وأخرج بعضه الحاكم ٤/ ٢٤٠. وهو حديث حسن بشواهده.
(٥) النهاية ٣/ ١٣٢.
(٦) رواه البخاري (٧٢١٣)، ومسلم (٢٦٨٠).
[ ١ / ١٣ ]
يسمع، فقال - ﷺ -: "لا تتمن الموتَ، فإن كنتَ من أهل الجنَّةِ، فالبقاء خير لك، وإن كنتَ من أهل النَّارِ، فما يعجلك إليها" (١).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يتمنى أحدكم الموت فإنه لا يدري ماذا قدم لنفسه" (٢).
وأخرج/ ٦/ الإمام أحمد وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم، عن أُمّ الفضل ﵂ أن رسول الله - ﷺ - دخل عليهم وعمّه العباس ﵁ يشتكي فتمنَّى الموتَ: فقال له: "يا عمّ لا تتمنّ الموت فإنك إن كنت محسنًا، كنت تؤخر وتزداد حسنا إلى إحسانك خيرًا لك، وإن كنتَ مسيئًا، فإن تؤخرّ تستعتب من إساءتك خير لك، فلا تتمنّ الموت" (٣).
وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله" (٤).
واعلم أنَّ خير الناس مَنْ طالَ عُمره وحسن عمله.
وكما أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه والحاكم عن أبي
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٢٦٦، والطبراني ٨/ ٢١٧ (٢٧٨٠) من حديث أبي أمامة ﵁، وفي إسناده ضعف.
(٢) أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد" ٦/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٣) رواه ابن سعد في "الطبقات" ٤/ ٢٣، والإمام أحمد ٦/ ٣٣٩، والحارث كما في "بغية الباحث" ١٠٨٢، وأبو يعلى (٧٠٧٦)، والطبراني في "الكبير" ٢٥/ ٢٨، والحاكم ١/ ٤٨٩، وإسناده حسن.
(٤) رواه أحمد ٢/ ٣٥٠.
[ ١ / ١٤ ]
بكرة ﵁ "أن رجلًا قال يا رسول الله، أيّ الناس خير؟ قال: "مَنْ طال عُمُره وَحُسَن عَمَلهُ" قال: فأيُّ الناسِ شَرٌّ؟ قال: "مَنْ طَال عمُره وساءَ عَمَلُه" (١).
وأخرج الحاكم عن جابر ﵁ مرفوعًا "خياركم أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالًا" (٢).
والإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: "خياركم أطولكم أعمارًا وأحسَنُكم أعمالا" (٣).
والطبراني عن عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعًا: "ألا تبئُكم بخياركم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله قال: "أطولكم أعمارًا في الإسلام إذا سُددوا" (٤).
وأخرج عن عوف مرفوعًا: "كلما طال عمر المسلم كان له خيرًا" (٥).
_________________
(١) رواه أحمد ٥/ ٤٠ (٢٠٤١٥) و٥/ ٤٣ و٤٤ و٤٧ و٤٩ و٥٠، والدارمي (٢٧٤٥) و(٢٧٤٦)، والترمذي (٢٣٣٠) والطحاوي في المشكل كما في "تحفة الأخيار" (٥١١٩ و٥١٢٠) والحاكم ١/ ٣٣٩، والبغوي (٤٠٩٤) و(٤٠٩٥)، وهو حديث حسن في حاشية "ط" العمر: بضم الميم وإسكانها. اهـ.
(٢) رواه الحاكم ١/ ٤٨٩، والبيهقي ٣/ ٣٧١.
(٣) رواه أحمد ٢/ ٢٣٥ (٧٢١٢) و٢/ ٤٠٣ (٩٢٣٥)، وابن أبي شيبة ٧/ ٩٠، وابن حبان (٤٨٤) و(٢٩٨١) وهو صحيح.
(٤) أبو يعلى عن أنس (٦/ ٢١٤) أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٠٣ وقال: رواه الطبراني وفيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف.
(٥) رواه أحمد ٦/ ٢٢ و٢٣ ولفظه: "ما عمَّر المسلم كانَ خيرًا له". ورواه الطبراني ١٨/ ٥٧ (١٠٤) باللفظ المذكور عند المصنف. قال الهيثمي ١٠/ ٢٠٤: فيه النهاس بن قهم وهو ضعيف.
[ ١ / ١٥ ]
وأخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رجلان من بلى -حي من قضاعة- أسلما مع رسول الله - ﷺ -، فاستشهد أحدهما وأُخِرّ الآخر سنةً، قال طلحة بن عبيد الله ﵁: فرأيت الجنة فرأيت الرجل المؤخّر منهما أُدخل الجنة قبل الشهيد، فعجبت لذلك فأصبحت فذكرتُ ذلك للنبي - ﷺ -، فقال: "أليس قد صَام بعدهُ رمضان وصلَّى ستة آلافِ ركعة، وكذا وكذا ركعة، صلاة سنة" (١).
وروى أحمد والبزار عن طلحة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "ليس أحد أفضلَ عند الله، من مؤمن يُعمّرُ في الإسلام؛ لتسبيحه وتكبيره، وتهليله" (٢).
وأبو نعيم عن سعيد بن جبير قال: بقاءُ المسلم كُلَّ يومٍ غنيمة، لأداء الفرائض والصلوات، وما يرزقه الله من ذكره (٣).
وابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: بلغني أن المؤمن إذا مات تمنى الرجعة إلى الدنيا؛ ليس ذاك إلا ليكبر تكبيرة، أو يهلل تهليلة، أو يسبح تسبيحة (٤).
واعلم: أنه يجوز تمني الموت والدعاء به لخوف الفتنة في الدنيا.
_________________
(١) رواه أحمد ٢/ ٣٣٣ (٨٣٩٩) و(٨٤٠٠) وهو حديث حسن.
(٢) رواه أحمد ١/ ١٦٣ (١٤٠١)، والبزار (٩٥٤) وأبو يعلى (٦٣٤)، وأورده الهيثمي ١٠/ ٢٠٤ وصححه.
(٣) "حلية الأولياء" ٤/ ٢٨٠ و٥/ ١١٠.
(٤) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ١٠/ ٣٢٤ - ٣٢٥ من طريق ابن أبي الدنيا.
[ ١ / ١٦ ]
فقد أخرج الإمام مالك عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقولُ: يا ليتني كنتُ مكانه" (١).
والبزار عن ثوبان أن النبي - ﷺ - قال: "اللهمّ إني أسألك فِعْلَ الخيرات وَتْركَ المنكرات وحُبَّ المساكينِ، وإذا أردتَ بالنَّاسِ فتنةً فاقبْضني إِليك غيرَ مَفْتُونٍ" (٢).
ومالك عن عمر ﵁ قال: اللهمَّ قد ضَعُفَتْ قوّتي، وكَبِرَت سِنِّي، وانتشَرَت رعيَّتي، فاقبضني غَير مضيّعٍ ولا مُقصّرٍ، فما جَاوزَ ذلك الشهرَ حتى قبِضَ (٣).
وأخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن عبد البر في التمهيد، والمروزي في الجنائز، والطبراني في الكبير، عن عليم الكندي قال: كنتُ مع عيسى الغفاري على سطح فرأى قومًا يتحملون من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني إليك، ثلاثًا فقال عُليم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله - ﷺ -: "لا يتمنّيَنَّ أحدكُم الموتَ، فإنه عند ذلك انقطاعُ عَمله، ولا يرد فيستعتب"، فقال أبو عيسى: أنا سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "بادروا بالموت ستًّا: إمرةَ السفهاءِ، وكثرةَ
_________________
(١) الموطأ ١/ ٢٤١. ورواه البخاري (٧١١٥) و(٧١٢١) ومسلم ٤/ ٢٢٣١ (١٥٧).
(٢) الترمذي (٥/ ٢٤٣) رواه البزار كما في "كشف الأستار" (٣١٩٧) والحاكم ١/ ٥٢٧ وإسناده ضعيف. وأورده الهيثمي ٧/ ١٧٧. في "ط" وفي رواية "بعبادك" بدل "الناس".
(٣) "الموطأ" (١٧٦٦ رواية أبي مصعب) كتاب الحدود - باب ما جاء في الرجم (١٠) بمعناه.
[ ١ / ١٧ ]
الشُّرَط، وبيعَ الحكم، واستخفافًا بالدم، وقطيعة الرحم، ونَشْوءًا يتخذون القرآن مزامير، يقدمون الرجل لِيُغنِّيَهمُ بالقرآن، وإن كان أقلهم فقهًا" (١).
قوله: يتحملون أي: يرتحلون. كما في الصحاح (٢).
وفي الحديث: "فإن رأيتم في الإسلام ستة خصال فتمنَّوا الموت، وإن كانت نفسك في يدِك فأرسلها: إضاعةُ الدّم، وإمارة الصِّبيانِ، وكثرة الشُّرَط، وإمارة السُّفهاء، وبيع الحكم، ونشوءًا يتخذون القرآن مزامير" (٣).
وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا يخرج الدجال حتى لا يكون شيءٌ أحب إلى المؤمن من خروج نفسه" (٤).
وقال سفيان: يأتي على الناس زمان يكون الموتُ أحبَّ فيه (٥)
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ٥٢٩ (باب ما ذُكر في عثمان)، والإمام أحمد ٣/ ٤٩٤ (١٦٠٤٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" ٢/ ٢٦٩، وابن قانع في "معجم الصحابة" ٢/ ٣١٠، وأبو عبيد في "فضائل القرآن" ص ٨٠ - ٨١، والطبراني في "الكبير" ١٨/ ٣٤ و٣٥، وفي "الأوسط" (٨٧٣١)، وابن عبد البر في "التمهيد" ١٨/ ١٤٧. وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.
(٢) الصحاح (٤/ ١٦٧٧).
(٣) الحلية (١/ ٣٨٤) أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٠٦ وقال: رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم.
(٤) الحلية (٧/ ١٢٣) وعزاه في "الكنز" ١٤/ ٣٢٣ له.
(٥) في العبارة تقديم وتأخير في (ب)، و(ط).
[ ١ / ١٨ ]
إلى قُرَّاء ذلك الزمان من الذهب الأحمر. (١)
وقال أبو هريرة ﵁: يُوشك أن يكون الموت أحبَّ إلى المؤمن من الماء البارد يُصب عليه، والعسل فيشربه.
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أمّ الدّرداء قالت: كان أبو الدّرداء إذا مات الرجل على الحالة الصالحة قال: هنيئًا لك يا ليتني كنت مكانك، فقالت له أمّ الدرداء في ذلك. قال: هل تعلمينَ يا حمقاء أن الرجل يصبح مؤمنًا ويمسي منافقًا يُسلبُ إيمَانُه وهو لا يَشعر؟ فانا لهذا الميت أغبط مني لهذا بالبقاءِ في الصلاة والصوم (٢).
وفي "فروع" ابن مفلح (٣) اتجاهٌ يستحب، يعني تمني الموت للخبر المشهور "إذا أردت بعبادك فتنة، فاقبضني إليك غير مفتون"، إسناده جيّد. رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، وقال الإمام أحمد في رواية المروزي: إنما أتمنَّى الموتَ صباحًا ومساءً أخاف أن أفُتَنَ في الدنيا (٤). انتهى.
وسمعتُ أستاذي الشيخ عبد القادر التغلبي يقول: قال الشيخ
_________________
(١) ورد ذلك من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ورواه ابن سعد ٤/ ٣٣٧، ٣٣٨ والحاكم ٤/ ٥٦٣، وأبو نعيم ١/ ٣٨٤ وورد أيضًا من كلام أبي مسلمة رواه عبد الرزاق ١١/ ٣٥٧ وأبو عمرو الداني في "السنن الواردة في الفتن، ٢/ ٤٥٦، وانظر فتح الباري ١٣/ ٧٦ - ٧٧.
(٢) رواه الفريابي في "صفة المنافق" (١١٤) و(١١٥).
(٣) "الفروع" ٢/ ١٦٨. باب الجنائز - فصل كراهة الأنين وتمني الموت.
(٤) هذا الخبر عن الإمام أحمد أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء ١١/ ٢١٦.
[ ١ / ١٩ ]
أبو المواهب: تمَنِيّ الموت في عصرنا هذا غير مكروه، بل يجب. كذا سمعت وفي "فنون" ابن عقيل: قال عالم يومًا -يعني نفسه- لكربٍ دخل عليه: يا ليتني لَم أَعِشْ لهذا الزمان فقال متحذلق يدّعي الزهد يريد أن يظهر اعتراضه على أهل العلم: لا تقل هذا وأنت إمام تتمنى على الله تعالى، مَا أرادَهُ اللهُ بِكَ خَيرٌ مما تتمناهُ لنفسك، وهذا اتهام لله. فأجابه: ومِن أين لك لسانٌ ينطق بما لا يكبر على العلماء، كأنك تعلمهم ما لا يعلمون، وتوهم أنك تدرك عليهم ما يجهلون، أليس الله قد حَكَى عن مريم: ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: ٢٣]! وقال أبو بكر الصديق: يا ليتني كنت مثلك يا طائر (١). انتهى.
والمراد غيرُ تمني الشهادة، وأما تمنيها فلا خلاف في ذلك، فقد تمناها عمر، كما في البخاريّ (٢)، وفي الحديث: "مَن تمنّاها مخلصًا من قلبه أعطاه الله منازل الشهداء" (٣) والله أعلم.
* * *
_________________
(١) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣٠/ ٣٣٠.
(٢) رواه البخاري (١٨٩٠) كتاب فضائل المدينة.
(٣) رواه مسلم (١٩٠٩) وابن حبان (٣١٩٢) من حديث سهل بن حنيف نحوه.
[ ١ / ٢٠ ]