أما اسمه: ففي أكثر الروايات أنَّه محمَّد وفي بعضها أنَّه أحمد، واسم أبيه عبد الله، فقد صحّ عنه - ﷺ - أنَّه قال: "يواطئ أي: يوافق اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي" (١).
قال في الإشاعة (٢): وتعسّف بعض الشيعة فقال: إن هذا تحريف والصواب: أنَّه اسم ابني بالنون، يعني: الحسن (٣) أو أن المراد بأبيه جده الحسين، والمراد باسمه كنيته، فإن كنية الحسين أبو عبد الله فمعناه: أن كنية جده الحسين يُوافق اسم والد النبي - ﷺ -، وذلك لاعتقادهم أنَّه محمَّد بن الحسن العسكري، وهو باطل لهذه التعسفات
_________________
(١) رواه أحمد ١/ ٣٧٦ و٣٧٧ و٤٣٠ و٤٤٨، وأبو داود (٢٨٢)، والترمذي (٢٢٣٠) و(٢٢٣١)، والحاكم ٤/ ٤٤٢ وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) الإشاعة ص ٨٧.
(٣) يقصدون: أن المهدي محمَّد بن الحسن العسكري.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
والتكلفات، وأيضًا، فإن محمَّد بن الحسن هذا قد مات، وأخذ عمّه جعفر ميراث أبيه الحسن، وأيضًا فإن المهدي يبايع أربعين سنة أو أقل وأيضًا فإن مولد المهدي بالمدينة (بخلافه) (١)، وأيضًا ففي رواية ابن المنادي ما يرد كلامهم، عن علي كرم الله وجهه، فيجيء الله بالمهدي محمَّد بن عبد الله انتهى. ملخصًا.
قُلْتُ: ولا ريب في فسادِ ما قالوهُ، وبطلان ما انتحلوه، وزعمت الكيسانية أن المهدي هو محمَّد بن الحنفية، وأنه حيٌ مُقيمٌ بجبل رضوى، وأنه بين أسدين يحفظانه، وعنده ثمَ عينان نضاختان، تجريان بماء وعسل، وأنه يعودُ بعد الغيبة، ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا، وإنما عُوقب بهذا الحبس لخروجه إلى عبد الملك بن مروان، وقيل إلى يزيد بن معاوية، وكان السيد الحميري على هذا المذهب وهو القائل:
ألاَ قل للوصيِّ فدتك نفسي أطلت بذلك الجبل المقاما
وهذا (القول) (٢) وشبهه من خرافات أهل الرفض والبدع، وإذا تأملت مقالات أهل الزيغ ألفيتها على هذا النمط يضحك منها العاقل، ومن يضلل الله فما له من هاد، والله أعلم.
وأما لقبهُ: فالجابر؛ لأنه يجبر قلوبَ أمَّة محمَّد - ﷺ -، أو لأنه يجبر أي يقهر الجبارين والظالمين ويقصمهم.
_________________
(١) ليست في (أ) واستدركناها من (ب) و(ط).
(٢) ليست في (ب) و(ط).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وكُنيته: أبو عبد الله، وأما نَسبُه فإنَّه من أهل بيت رسول الله - ﷺ -، ثمَّ إن الروايات الكثيرة والأخبار الغزيرة ناطقة أنَّه من ولد فاطمة البتول ﵍، وجاء في بعضها أنَّه من ولد العباس، والأوّل أصح.
قال ابن حجر في كتابه "القولُ المختصر": وأمَّا ما رُوي أن المهدي من ولد العباس عمي، فقال الدارقطني: حديث غريب تفرد به محمَّد بن الوليد، مولى بني هاشم قال: ولا ينافي خبر الرافعي عن ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: "ألا أبشرك يا عمَّ إنَّ من ذرتيك الأصفياء ومن عترتك الخلفاء، ومنك المهدي في آخر الزمان، به ينشر الله الهدى، ويطفئ نيران الضلالة، إن الله فتح بنا هذا الأمر، وبذريتك يختم" (١).
وخبر هيثم بن كلب وابن عساكر عن ابن عباس ورجاله ثقات، اللهم انصر العباس وولد العباس ثلاثًا، يا عمّ أما علمتَ أنَّ المهدي من ولدَك؟ موفقًا راضيًا (٢)؟
وخبر أبي نعيم في الحلية عن أبي هريرة: "ألا أبشرك يا أبا الفضل، إن الله ﷿ افتتح بي هذا الأمر وبذريتك يختم" (٣).
وخبر الديلمي عن أم سلمة - ﵂ - عن رسول الله - ﷺ -، أنَّه قال: "لن تزال الخلافة في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموها إلى
_________________
(١) أورده في "فيض القدير" ٦/ ٢٧٨ وعزاه للرافعي.
(٢) "تاريخ دمشق" ٢٦/ ٢٩٩.
(٣) رواه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣١٥، وقال الألباني في الضعيفة (٨٢) موضوع.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
الدجال" (١).
وخبر الخطيب عن ابن عباس، عن أمه أم الفضل: "يا عباس أنت عمي وصنو أبي وخير مَنْ أخلفُ بعدي مِن أهلي، إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك، ولولدِك منهم السفاح ومنهم المنصور ومنهم المهدي" (٢).
وخبر الخطيب وابنُ عساكر عن علي كرّم الله وجهه: "يا عمّ ألا أخبرك أن الله افتتح هذا الأمر بي ويختمه بولدك" (٣).
وهذه كلها (لا تُنافي) (٤) أنَّه من ذريته - ﷺ -، من ولد الزهراء لأنَّ أحاديثه أكثر وأصح، بل قال بعض الأئمة الحفاظ أن كونه من ذريته - ﷺ -، قد تواتر عنه ذلك قال ابن حجر: ويُمكن الجمعُ بأنّه لا مانع من أن يكون من ذريته - ﷺ -، وللعباس فيه ولادة من جهة أن (في أمه) (٥) عباسية، والحاصل: أنَّ للحسن فيه الولادة العُظمى لأنَّ أحاديث كونِه من ذُريته أكثر وللحُسين فيه ولادة أيضًا، وللعبّاس فيه
_________________
(١) أخرجه الديلمي في "الفردوس" برقم (٥٣٧١). وأورده الهيثمي ٥/ ١٨٧ وعزاه للطبراني وقال: فيه جماعة لم أعرفهم.
(٢) رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" ١/ ٦٣، وقال ابن الجوزي في "العلل المتناهية" ١/ ٢٩١: هذا حديث لا يصح.
(٣) رواه الخطيب ٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤ و٤/ ١١٧، وأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/ ٢٩٢، وقال الألباني في الضعيفة (٨١): موضوع.
(٤) كذا بالأصل، وورد في "القول المختصر" ص ٢٢: تنافي.
(٥) كذا بالأصل، وورد في "القول المختصر" ص ٢٣: أمهاته.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
ولادةٌ أيضًا ولا مانعَ من اجتماع ولادات مُتعددات، في شخص واحد، من (جهةٍ) (١) مختلفة (٢). انتهى
ومَولدُ المهديّ المدينة، رواه أبو نعيم (٣) عن علي كرم الله وجهه، وفي مرفوع عبد الله بنِ عمرو بن العاص، - ﵄ -، عند أبي نعيم وأبي بكر بن المقري في "معجمه" (٤) يخرج المهدي من قرية يقالُ لها كرعة.
وأمَّا مُبايعته: فإنَّه يُبايَعُ بمكة المشرَّفة بين الرُّكن والمقام ليلة عاشوراء، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأما مهاجرته فإنَّه يهاجر إلى بيت المقدس، وأن المدينة تخربُ بَعْدَ هجرته، وتصير مأوى للوحوش، فقد ورد [عن عُمر] (٥): عُمرانُ بيت المقدس خَرابُ يثربَ (٦).
وأما حليتُه: فإنَّه آدمُ أي: أسمر، ضرب من الرجال أي خفيفُ اللَّحم، ممشوق مستدقٌ ربْعَة أي: لا بالطويل ولا بالقصير، أجلى الجبهة أي خفيفُ شَعر النَّزعتيْن من الصدْغين، والذي انحسر الشعرُ عن جبهته أقنى الأنف أي: طويله، مع دقة أرنبته، أشم أي رفيع العرنين، أزجُّ أي حاجبيه، فيه تقويسٌ مع طولٍ في طرفه، وامتداده
_________________
(١) كذا بالأصل، وورد في "القول المختصر" ص ٢٣: جهاتٍ
(٢) "القول المختصر": ص ٢١ - ٢٣.
(٣) كتاب الفتن (١/ ٣٦٦) وجميع ما ورد هنا فراجعه.
(٤) حديث ٩٤، وأخرجه ابن عديّ (٥/ ٢٩٥) من طريق عبد الوهاب به، وانظر معجم البلدان (كرعة) الكاف مع الراء.
(٥) قوله: (عن عمر) ليست في (ب)، ولا (ط).
(٦) رواه أحمد ٥/ ٢٣٣ من حديث معاذ بنحوه.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
أبلج أعين أكحل العينين، والأَعْيَن واسع العين، والكحل بفتحتين سوادٌ في أجفان العين خلقة من غير اكتحال، برّاقُ الثنايا، أي: لثناياه بريقٌ أفرقهما، أي: ليستْ مُتلاصقة في خده الأيمن، خال أسود يضيء وجهُه، كأنهُ كوكبٌ دُرّي كَثُ اللِّحية في كفه علامة أزيل الفخذين، أي: مُنفرجُ الفخذين، متباعدُهما لونُه لونُ عربي، وجسمه جسم إسرائيلي، في لسانه ثقل، وإذا أبطأ عليه ضرب فخذه الأيسر بيده اليُمنى، ابن أربعين سنة، وفي رواية ما بين ثلاثين إلى أربعين خاشعٌ لله خشوع النسرِ بجناحيه، عليه عباءتان قطوانيتان (١).
قال في النهاية (٢): هي عباءة بيضاء قصيرة الخمل والنون زائدة.
وأما سيرته: فإنَّه يعملُ بسنة النبي - ﷺ -، لا يُوقظ نائما، ويُقاتل على السّنّة لا يتركُ سُنَّة إلا أقامَها ولا بدعة إلا رفعها يقومُ بالدين آخر الزمان، كما قام به النبي - ﷺ - أوّله يملكُ الدنيا كلها، كما ملك ذو القرنين، وسليمان يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويردُ إلى المسلمين إلفتهم ونعمتهم، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورا، ويحثو المال حثوا، ولا يَعدُّه عدّا يقسم المال صحاحًا بالسوية، يرضى عنه ساكن السّماء وساكن الأرض، والطير في الجوّ والوحش في القفر، والحيتان في البحر يَملأ قلوب أمّة محمَّد - ﷺ - غنى، حتى أنَّه يامرُ مناديًا يُنادى ألا مَن له حاجة في المال؟ فلا يأتيه إلا رجلٌ واحد، فيقول أنا فيقول ائت السادن أي: الخازن فقل له: المهدي يأمرك أن تعطيني مالًا فيقول له: احث حتى إذا جعلَه في حجره
_________________
(١) انظر: "التذكرة" ص ٦٩٩ - ٧٠٠، و"القول المختصر" ص ٢٧ - ٣٧، ٤١.
(٢) "النهاية" لابن الأثير ٤/ ٨٥.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وأبرزه ندم، فيقولُ كنتُ أجشع: أي أحرص أمّة محمَّد - ﷺ -، أعجز عني ما وسعهم قال: فيردُّه فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه، تنعَمُ الأمّة بَرُّها وفاجرها في زمنه، نعمة لم يسمعوا بمثلها قط، وتُرسَلُ السماء عليهم مدرارا، لا تدّخر شيئًا من قطرها وتؤتى الأرض أكلها لا تدّخر عنهم شيئًا من بذرها.
تجرى على يديه الملاحم، يستخرج الكنوز ويفتح المدائن ما بين الخافقين، يُؤتَى إليه ملوك الهند مُغَلَّلين، وتجعل خزائنهم لبيت المقدس حُلِيَّا، يأوي إليه الناس كما يأوي النحل إلى عسوبها، حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأوّل يمدّه الله بثلاثة آلاف من الملائكة، يَضربونَ وجوه مُخالفيه وأدبارهم، جبريلُ على مقدمته وميكائيل على ساقته، ترعى الشاة والذئب في زمانه في مكان واحد، وتلعب الصبيان والحيّاتُ والعقارب، لا تضرهم شيئًا ويزرع الإنسان مُدّا فيخرج له سبعمائة مدّ، ويرفعُ الرّبا والزنا، وشرب الخمر، وتطول الأعمار وتؤدَّى الأمانة وتهلك الأشرار، ولا يبقى من يبغض آل محمَّد - ﷺ -، محبوبٌ أي المهدي في الخلائق، يُطفئ الله به الفتنة العمياء، وتأمن الأرض حتى أن المرأة تُحج في خمس نسوة، ما معهن رجل (١)، ولا يخفن شيئًا إلا الله، مكتوب في شعائر الأنبياء ما في حكمه ظلم ولا عيب.
قال ابن حجر في "القول المختصر": ولا ينافي هذا أن عيسى يفعل
_________________
(١) هذه الفقرة في الفتن لنعيم بن حماد ١/ ٣٥٦ عن الوليد عمن حدثه وقرأه عن كعب من قوله! وفيه من العلل ما يكفي لرده، فضلًا عن ضعف نعيم.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
بعضَ ما ذُكر، من قتل الخنزير وكسر الصليب، إذ لا مانع أن كلا منهما يفعله (١)، أي: فإنا لم نقل أن سيّدنا المهديَّ يستأصِلُ الخنازير والصليب، والله أعلم.